الحيّ الذي لا يموت ولا يفنى ، سامعاً باذنه الواعية نجوى مولاه ، بل هو اذن اللّه الواعية وعينه الباصرة ويده الباطشة ! يحبّ اللّه تعالى ويحبُّه اللّه تعالى !
فهذا اقبالٌ للقلب وحياته ونورانيّته وترقيّاته وتأثّره بالطاعات والحسنات ، وهذا هو الشأن الذي ينبغي أن يكون القلب عليه ، وجديرٌ ترتّب هذه الآثار عليه وحقيقٌ كونه على هذه الآثار . فمن ترتّب على قلبه هذه الآثار الوجوديّة الحياتيّة هو وقلبه حيٌّ على الحقيقة لا المجاز !
فالحياة على المؤمن من هذه الجهة إنّما هو على وجه الحقيقة ، فللقلب حياةٌ حقيقيّةٌ وليس لكلّ قلبٍ حياةٌ ، وليس لكلّ إنسانٍ قلبٌ حيٌّ ! ولو كان لما صحّ قوله تعالى :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »
« 1 » يعنى : قلباً حيّاً ، كما صرّح به الحديث . ولهذا القلب الحيّ أشار أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : « وأنا ذو القلب ، يقول اللّه عزّوجلّ :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »
» « 2 » .
وورد في الرواية الجعفريّة عليه السلام : « لو أنّ أهلَ السماوات والأرض اجتمعوا يتضرّعون إلى اللّه عزّ وجلّ أن ينجيك . . . ( إلى أن قال ) ثمّ كان لك قلبٌ حيٌّ لكنتَ أخوفَ النّاس للّه عزّ وجلّ في تلك الحال » ! « 3 »
وفي هذه الرواية الشريفة إشعارٌ إلى : أنّ الزهد إنما هو عبارةٌ عن جعل القلب حيّاً بمشاهدة أحوال الآخرة وعدم الغفلة عنها ، ميّتاً عن طمع الدنيا وزخارفها .
ومن هذه الرواية الصادقيّة عليه السلام التي تنبىء عن أنّ أخوفَ النّاس للّه مَن له قلبٌ حيٌّ يعلَم معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنا أخوف الناس من اللّه تعالى » . « 4 »
فكأنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « أنا أحيى الناس قلباً » .
وقوله هذا بمثابة « أنا أكثر الناس معرفةً بنفسه » حيث ورد في الحديث العَلَويّ عليه
هامش
( 1 ) . سورة ق : 37 .
( 2 ) . رواه الصدوق في معاني الأخبار : 58 ح 9 ، وعماد الدين الطبري في بشارة المصطفى : 34 ، وعن الطبري المجلسيُّ في بحار الأنوار : 33 / 284 .
( 3 ) . الكافي الفروع : 8 / 128 .
( 4 ) . لم أجده بهذا اللفظ في المصادر في مراجعة خاطفة ، ولعلّه روي بلفظ متقارب المعنى .