وب - « الروح » رابعةً ، لا الروح البخاريّ الطبّي ، بل اللطيفة العالِمة المدرِكة التي هي المراد بقوله تعالى :
« قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »
! « 1 »
فهذا القلب سِرٌّ من الأسرار الإلهيّة وأمرٌ من عالم الأمر الربّانيّ ! « 2 » والقلب الجسمانيُّ الذي من عالَم الخلق عرشه ، والصدر كرسيّه ، وسائر الأعضاء عالَمه ومملكته ، وهو الأمير والمَلِك في ذلك العالَم الإنسانيّ ، وجميع الأعضاء والجوارح حتّى القلب الصنوبريّ رعيّته ، وكلُّها في تحت حكمه ، وهو الراعي عليها ، كما ورد في الرواية الجعفريّة عليه السلام في بيان « الفروض على الجوارح » قال عليه السلام : « فمنها قلبه الذي به يَعقِل ويَفقه ويَفهَم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلّا عن رأيه وأمره . . . » الحديث . « 3 »
وإلى ذلك ينظر ما ورد في الدعاء : « اللهمَّ أصْلِحِ الرّاعي وَالرَعيَّةَ » ! « 4 » فإنّه إذا صلح صلحَت الجوارح وإذا فسد يفسد سائر الجسد ، وإذا تغيّر حاله تغيّرت أعمال الجوارح ؛ وهو الرئيس الذي لصلاحه أثرٌ شاملٌ ولفساده ضررٌ كاملٌ ، وهو مع شرَفه وفضله محفوفٌ بالآفات والعيوب ! وكلّ ما كان أعزّ ومنافعه أوفَر كانت آفاته وأعداؤه أكثر ! وإقباله هو المطلوب الحقيقيُّ في جميع العبادات ، والخشوع والخضوع به هو المطلوب ، والتذلُّل والتعبُّد به هو المحبوب ، وشرف كلِّ عبادةٍ على مقدار حضوره ، وهو روح الطاعة ، والعبوديّة بلا قلبٍ كجسدٍ بلا روحٍ ، ولا خيرَ في عبادةٍ لا يشارِك فيها القلب !
هامش
( 1 ) . الاسراء : 85 .
( 2 ) . روى أنس بن مالكٍ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ناجى داود ربّه فقال : الهي لكلِّ ملكٍ خزانةٌ ، فأين خزانتك ؟ فقال جلَّ جلاله : لي خزانةٌ أعظم من العرش وأوسع من الكرسي ، وأطيب من الجنّة ، وأزين من الملكوت : أرضها المعرفة ، وسمائها الإيمان ، وشمسها الشوق ، وقمرها المحبّة ، ونجومها الخواطر ، وسحابها العقل ، ومطرها الرحمة ، وأشجارها الطاعة ، وثمرها الحكمة ، ولها أربعة أبواب : العلم والحلم والصبر والرضا ، ألا وهي القلب .
عوالي اللئالي لابن أبي جمهور الأحسائي : 1 / 249 ، وبهامشها تعليقةٌ مفصلةٌ حول هذا المعنى ، لا بأس بمراجعتها .
( 3 ) . الكافي للكليني : 2 / 34 ، وشرحه لملا صالح المازندراني : 8 / 116 ، ورواه المحدث النوري في مستدرك الوسائل : 11 / 143 عن النعماني في تفسيره .
( 4 ) . راجع رسائل الشهيد الثاني : ص 124 ، كشف الخفاء للعجلوني : 1 / 182 ، وذكره النراقي في جامع السعادات : 3 / 275 وأضاف : وهو القلب والجوارح .