ومن هنا قال ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنه : « ركعتان مقتصدتان في تفكّرٍ خيرٌ من قيام ليلةٍ بلا قلبٍ » . « 1 »
وهذا القلب في هذه النشأة التي مزرعة الآخرة هي الأرض ، والإيمان البذر ، والطاعات هي بمنزلة الماء الذي يسقى به الأرض ، وتطهيره من المعاصي والأخلاق الذميمة بمنزلة تقليب الأرض وتنقيتها من الأحجار والشُّوك والحشيش والنباتات الخبيثة التي تمنع نباتَ البذر أو يفسده ، ويوم القيامة هو وقت الحصاد !
ولهذا القلب حياةٌ وموتٌ وإقبالٌ وإدبارٌ ، إقباله نورٌ وإدباره ظلمةٌ ، والعبد متقلّبٌ معه تقلّبَ الظِلِّ مع الشمس قد يغلب شعاعه عليه ويضيء مكانه ، وقد ينعكس الأمر ! وذلك تأثّره بالمعاصي والطاعات تأثّرٌ متضادٌّ يستعار لأحدهما لفظ « النور » وللآخر لفظ « الظلمة » ، فتارةً بيضاء القلب نور الحسنة والطاعة ويتنوّر بنور العلم والمعرفة والحكمة والإيمان والتوحيد والصدق والإخلاص وحبّ الحقّ والتوجّه إلى الآخرة حتّى يبلغ من ذلك إلى مرتبةٍ عاليةٍ ويصل إشراقه وإنارته إلى حدٍّ يكون . . . للحقّ . . . « 2 » فيه العوالم الملكوتيّة ، ويصير بإقامة وظائف مولاه والتزام جنابه . . . « 3 » وإدامة التعبدّ عليه متخلّقاً بأخلاق اللّه تعالى ، متحلّياً بأوصافه ، طاهراً عن وَسَخ الرذائل المانعة من مشاهدة عالَم المَلَكوت ، نقيّاً عن وَسَخ الكدورات الأخلاقيّة ، نائياً عن الظلمات الحاجبة من العوالم العلويّة ، مذَلّلًا رقابَ القوى الشهويّة والسبعيّة والوهميّة الشيطانيّة ، لا يحبّ إلّا اللّهَ تعالى ، ولا يستريح إلّا إليه ، ولا يتلذّذ إلا بذكره ، متمسّكاً بملكوتيّته ، رافعاً يده عن حيث ملكه ، مجرّداً عن عالم شهوده ، فانياً بمهيّته البشريّة الملكيّة في جنب ملكوتيّته ، ماحياً نفسه جنب طاعة اللّه تعالى ، بل هو جنب اللّه تعالى ، متعيّناً بالتعيّنات الحقّانيّة ، متّصفاً بالصفات الرّبانيّة ، متجليّاً بالأسماء الحسنى الإلهيّة ، بل هو الأسماء الحسنى ، سليماً مقبولًا عند اللّه تعالى ، متنعّماً في جوار اللّه في جنّة وصاله في عدن لقائه ، ناظراً بعينه الباقية إلى وجه اللّه تعالى ، بل هو وجه اللّه الذي يبقى ، وهو
هامش
( 1 ) . رواه ابن أبي الدنيا في التفكر كما في كنز العمال : 8 / 201 . وذكرت في مصادر الامامية من وصايا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى أبي ذرّ ، الوسائل : 4 / 75 ، بحار الأنوار : 74 / 82 .
( 2 ) . كذا جاء في الأصل .
( 3 ) . كذا في الأصل .