العالم الأوّل وبه تقوم الحجّة على العباد دون الثاني ، وإنّما وقع التكليف الثاني مؤكّدا وكاشفا عنه ، كما يشهد له بعض الأخبار . فالحجّة على العباد قائمةٌ بلا تكلّفٍ ، وبذلك يندفع المحظور الموجب لصرف كلٍّ من الآية والحديث عن الظاهر منهما ، واللّه أعلم .
وقال قدّس سرُّه في مادّة « قبض » من الكتاب ص 357 :
وفي الحديث : « فقبض قبضةً فقال إلى الجنّة ولا أبالي ، وقبض قبضةً فقال إلى النار ولا أبالي » .
قال بعض العارفين : قد أشكل هذا على بعض الناس ! فقال : كيف يجوز أن يخلق اللّه قوما للنار في أصل الخلق ثمّ يكلّفهم طاعته وتركَ معصيته ، وهذا ينافي العدلَ وهو منزّهٌ عنه سبحانه ؟
وأجاب عنه : بأنّ كلام آل محمّدٍ صلوات اللّه عليهم لا يرد عليه اعتراضٌ أبدا ، وإنّما يقع لعدم فهم السامع مقصدَهم وما عَنوا به ، وقد جاء في حديثهم : إنّ الأرواح خلِقت قبل الأبدان بألفي عامٍ وأمره سبحانه بالإقرار له بالربوبيّة ولمحمّدٍ صلى اللّه عليه وآله بالنبوّة ولعليٍّ وأهل بيته بالإمامة ، فمنهم من أقرّ بقلبه ولسانه ، ومنهم من أقرّ بلسانه دون قلبه ، وهو قوله سبحانه :
« وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ »
« 1 » ، ثمّ أمر الفريقين بدخول النار فدخل من أقرّ بقلبه ولسانه ، وقال الذي أقرّ بلسانه : يا ربّ ! خلقتنا لتحرقَنا ! فثبتت الطاعة والمعصية للأرواح .
ثمّ إنّه سبحانه لمّا أراد خلق الأجساد خلق طينةً طيّبةً وأجرى عليها الماءَ العذبَ الطيّبَ ، وخلق من صنفها أجسامَ محمّدٍ وآله الطاهرين عليهم السلام ، وخلق طينةً خبيثةً وأجرى عليها الماءَ المالحَ الخبيثَ ، ومزج الطينتين لمقتضى حكمتِه ولطفِه وعركَهما عركَ الأديم ، فأصاب كلًّا منهما من لَطخ الأخرى ، فأسكن الأرواح المؤمنة أوّلًا في الطينة الطيّبة فلم يضرّها ما أصابها من لَطخ الأخرى إذ ليس من سنخها وجوهرِها . وأسكن الروحَ الكافرة أوّلًا في الطينة الخبيثةِ ولم ينفعها ما أصابها من لَطخ الطينة إذ ليس هو من سنخها ولا معدنها ، فأصاب المؤمنَ السيئات بسبب المزج ، وأصاب الناصبَ الحسنات للمزج .
هامش
( 1 ) . آل عمران : 83 .