وعلى بعضهم نورا وظلمةً ، فلمّا رآهم آدم عليه السلام عجب من كثرتهم وما عليهم من النور والظلمة ، فقال : يا ربّ ! ما هؤلاء ؟
قال اللّه عزّ وجلّ له : هؤلاء ذرّيتك ! يريد تعريفه كثرتهم وامتلاء الآفاق بهم وأنّ نسله يكون في الكثرة كالذّر الذي رآه يعرِّفه قدره « 1 » ويبشّره بأفضال « 2 » نسله وكثرتهم ، فقال عليه السلام : يا ربّ ! ما لي أرى على بعضهم نورا لا ظلمةَ فيه ، وعلى بعضهم ظلمةً لا يشوبها نورٌ ، وعلى بعضهم ظلمةً ونورا ؟
فقال تبارك وتعالى : أمّا الذي عليهم النور منهم بلا ظلمةٍ فهم أصفيائي من ولدك الذين يطيعوني ولا يعصوني في شيءٍ من أمري ، فأولئك سكّان الجنّة . وأمّا الذين عليهم ظلمةٌ ولا يشوبها نورٌ ، فهم الكفّار من ولدك الذين يعصوني ولا يطيعوني . فأمّا الذين عليهم نورٌ وظلمةٌ فأولئك الذين يطيعوني من ولدك ويعصوني ، فيخلطون أعمالهم السيّئة بأعمالهم الحسنة ، فهؤلاء أمرهم إليَّ ، إن شئت عذّبتهم ، وإن شئت عفوت عنهم بفضلي .
فأنبأه اللّه تعالى بما يكون من ولده ، وشبّههم بالذّر الذي أخرجهم من ظهره ، وجعله علامةً على كثرة ولده . ويحتمل أن يكون ما أخرجه من ظهره وجعل أجسام ذرّيته دون أرواحهم ، وإنّما فعل اللّه تعالى ذلك ليدلّ آدم عليه السلام على العاقبة منه ، ويظهر له من قدرته وسلطانه وعجائب صنعه ، وأعلمه بالكائن قبل كونه ، وليزداد آدم عليه السلام يقينا بربّه ، ويدعوه ذلك إلى التوفّر على طاعته ، والتمسّك بأوامره والاجتناب لزواجره .
فأمّا الأخبار التي جاءت بأنّ ذرّية آدمَ عليه السلام استنطقوا في الذّر فنطقوا ، فأخذ عليهم العهد فأقرّوا فهي من أخبار التناسخيّة ، وقد خلطوا فيها ومزجوا الحقّ بالباطل . والمعتمد من إخراج الذرّية ما ذكرناه دون ما عداه ممّا استمرّ القول به على الأدلّة العقليّة والحجج السمعيّة ، وإنّما هو تخليطٌ لا يثبت به أثرٌ على ما وصفناه .
فصلٌ [ شبهةٌ في إنطاق الذرّ « 3 » ] .
هامش
( 1 ) . كذا في الأصل ، وفي المصدر : ليعرّفه قدرته .
( 2 ) . في المصدر : باتّصال نسله .
( 3 ) . كذا جاء عنوان الفصل في المسائل السروية .