من الانقياد والاستكبار ، وذكرهم بما صاروا إليه في الخلق الأوّل يلزمهم اختيار ما اختاروه هناك في هذه النشأة أيضا !
وذلك أمرٌ فطريٌّ تقتضيه الطبيعة البشريّة ، بل لو كان الإنسان ذاكرا لما وقف عليه في العالم العلويّة النورانيّة الملكوتيّة وعالما بما كان له من الصفات والنورانيّة والروح والراحة قبل هبوطه عن الملأ الأعلى وكان واقفا على تفصيل مجاري حالاته في ذلك العالم وميثاقه وتكليفه ، ربّما كان إهباطه عن علوّ عالمه إلى حضيض الأرض وتغطية نورانيّته بالأغشية العنصريّة وامتزاج صفاء ملكوتيّته بالظلمات الأرضيّة وبعده عن الحضرة الإلهيّة وخلوّ يده عن جنّة القرب وروحها وريحانها ونعيمها وحبسه عمرا طويلًا في دار دنيا بالبلاء محفوفةٌ وبالغدر معروفةٌ موجبا للعناد على العباد ومؤثرا في بعض النفوس بإلزامه على الإنكار والاستكبار عن العبوديّة في هذه النشأة وإن كان مقرّا منقادا في التكليف الأوّل ، كما أنّ علم الإنسان واطّلاعه القهري لما كان عليه في عالم الملك ووقوفه على ما يشاهده في نشأة الشهود وموته على علمه هذا وعوده إلى عالمه الأوّل وانتقاله عن دارٍ آنَسَ بزخارفها وخلوّ يده عمّا ملكت ، يوجب سوء الخاتمة ويلزم كثيرا من الناس شرّ العاقبة ، وقانا اللّه شرّ ذلك اليوم ولقّانا نضرةً وسرورا !
فاللّه تعالى برأفته وحنانه أنسى ما مضى من الميثاق والتكليف كأن لم يكن شيئا مذكورا ، كما أنسى جميع ما عاينه الإنسان وشاهده في عالم الملكوت وبدء خلق الإنسان من طين ، وجدّد عالم التكليف وشرّع التكليف رأسا ، لئلّا يكون أحدٌ مأخوذا بسابق أمره ملزما بشيءٍ على ما يصير إليه ، من شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر .
فصلٌ : في ذكر جملةٍ من كلمات علماء الإماميّة رضوان اللّه عليهم نثرا ونظما
ونقتصر من كلمات النافين كلام السيّد النحرير الشريف المرتضى قدّس سرُّه لجامعيّته مداركهم ونجعله خاتمة المطلب ، ونقدّم كلمات المثبتين في الذكر لكون مختارهم مفاد الآيات والأخبار « 1 » ، ونذكر في قسمة المنظوم من نظم بعض علماء العامّة وفضلائهم .
هامش
( 1 ) . انظر أقوال المثبتين والنافين فيما أورده العلامة المجلسي في بحار الأنوار : 5 / 264 - 290 .