تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
الترابيّة العنصريّة إمّا باستكمال النفس وتزكيتها عن ظلمة أوصافها وسوء أخلاقها وتحليتها بحلية أنوار الأرواح وإبداء أنوارها عليها وتخلّقها بالأخلاق الإلهيّة وخروجها عن الظلمات إلى النور ، أو بالموت وانسلاخ الروح عن قالبها وخلوصها عن المحبس العنصري وتوجّهها إلى عالمها عن دار الغربة ، فإنّه عند هاتين الصورتين يتحقّق للإنسان استعمال الحواسّ الروحيّة وجنودها الباطنيّة ويدرك بها ما في العوالم الملكوتيّة العلويّة ، وإلى هذا وقعت الإشارة في غير واحدٍ من الأخبار . وبعبارةٍ أخرى أنّ النفس الملكوتيّة البشريّة التي هي من عالم الأمر وإن كان لها في ذاتها سمعا وبصرا وفؤادا وحواسّا لكن هذه الحواس البدنيّة والقشور الجسميّة حجبٌ وأغشيةٌ ظلمانيّةٌ على تلك الحواس والقوى الروحيّة وموانع عن استعمال مشاعرها الداخليّة . ومعلومٌ أنّ الحواسَ الظلمانيّة الهيولائيّة كما أنّها لا يدرك بها إلّا الأمور الظلمانيّة الهيولائيّة لضرورة كون نشأة المدرِك والمدرَك واحدةً كذلك الحواس الروحيّة إنّما تدرك بها الأمور النورانيّة الملكوتيّة الأمريّة الغيبيّة ما لم ينعكس صفائها ونورانيّتها باقتران الأجزاء الأرضيّة البشريّة وما دام لم تخفَ بالأغشية والحجب الظلمانيّة ولم تتأثّر بالظلمات العنصريّة الترابيّة ، فما دام الفطرة الروحانيّة محجوبةً بأغشية النفس ومقهورةً بحكومتها وغلَبَتها ، مضطهدةً بجنودها ، مكسوفةً إنارتها بظلماتٍ نفسانيّةٍ لا يتمكّن من استعمال حواسّها ومشاهدة عالمها وذكر مشاهداتها الملكوتيّة ومعلوماتها العلويّة وإدراك ما فيها من الشواهد الإلهيّة ، ويصير الإنسان حينئذٍ بالنسبة إلى الحواسّ الروحيّة صمّا وبكما وعميا .

[ أبيات من القصيدة العينيّة للشيخ الرئيس ابن سينا ]

ولقد أجاد فيما أفاد به الشيخ الرئيس من هذا المعنى ، نستروح بجملةٍ من قصيدته العذبة المعروفة :
هبطتْ إليكَ منَ المحلِّ الأرفعِ * ورقاء ذات تعزّزٍ وتَمنّعِ محجوبةٌ عن كلِّ مقلة عارفٍ * وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ وصلتْ على كرهٍ إليك وربّما * كرِهَتْ فراقَك وهي ذات تفجُّعِ أنِفَتْ وما ألِفَتْ فلمّا واصَلَتْ * ألفتْ مجاورةَ الخرابِ البَلقَعِ