وأظنّها نسِيَتْ عهودا بالحمى * ومنازلًا بفراقها لمْ تَقنَعِ
حتّى إذا اتّصلَتْ بهاء هبوطِها * عن ميمِ مركزِها بذاتِ الأجرَعِ
علَقتْ بها ثاء المَثيلِ فأصبَحتْ * بين المعالم والطلولِ الخضّعِ
تَبكي وقدْ نسيَتْ عهودا بالحِمى * بمدامعَ تَهمي ولمّا تقلَعِ « 1 »
حتّى إذا قرب المسير إلى الحِمى * ودَنا الرحيل إلى الفضاء الأَوسعِ
وغدَتْ تغَرّد فوق ذروةِ شاهقٍ * والعلم يرفع كلَّ من لم يرفَعِ
وتعود عالمةً بكلّ خفيّةٍ « 2 » * في العالمين فخرقها لم يَرقعِ
فهبوطها إذْ كانَ ضربةَ لازبٍ « 3 » * لتكون سامعةً لما لم تسمعِ
فلأيّ شيءٍ أهْبِطَتْ من شاهقٍ * سامٍ إلى قعر الحضيض الأوضَعِ
إن كان أهبَطها الإله لحكمةٍ * طويَتْ عن الفَطِنِ اللّبيب الأورَعِ
إذْعاقها الشرك الكثيف فصدَّها * قفصٌ عن الأوج الفسيح الأرفَعِ « 4 »
فكأنّها برقٌ تألّقَ بالحِمى * ثمّ انطوى فكأنّه لم يَلمعِ « 5 »
هامش
( 1 ) . خ ل : لم تَتقَطَّعِ .
( 2 ) . خ ل : حقيقة .
( 3 ) . خ ل : لازم .
( 4 ) . خ ل : الأربع .
( 5 ) . هذه القصيدة من أجلّ قصائد شيخ الرئيس وأشرفها ، وهي أكثر شعره انتشاراً على ألسنة قرّاء العربية ، وهي من بحر الكامل في ثلاثين بيتاً في أحوال النفس وتعلّقها بالبدن ومفارقتها عنه . ويقال لها القصيدة الطيريّة أيضاً . ولها شروحٌ ( الذريعة : 17 / 121 ) . وترجمها إلى الفارسية ضياء الدين دري .
طبعت في منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق لابن سينا في مقدمة القصيدة المزدوجة ص 23 ، وحققها وعلق عليها محمّد محي الدين عبد الحميد ، مكتبة النهضة المصرية ج 1 ص 422 و 423 .
وذكرها له كلٌ من ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء : 446 وابن خلكان في وفيات الأعيان : 2 / 160 ، والذهبي في تاريخ الاسلام : 29 / 230 في ترجمته رحمه اللّه من تآليفهم . وأورد السيد محسن الأمين في ترجمته لشيخ الرئيس نماذج مختلفة من شعره ، منها القصيدة العينية المشهورة في النفس ، وقال عنه : كان شاعرا بالعربية والفارسية ( أعيان الشيعة : 6 / 78 ) .
وقد شرح القصيدة هذه الحكيم الإلهي ملا هادي السبزواري بالفارسية في كتابه أسرار الحكم : 358 - 374 مع اختلاف في لفظ الأبيات وعددها .