تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
البدنيّة يرجع إلى واحدٍ منها بحيث لو عجز واحدٌ منها عن إقامة وظيفته المقرّرة لما يمكن قيام الآخر مقامه ويبقى الباقون على حالها مشتغلين لإقامة ما أمرت به من الوظائف ، وليس لواجد قوّةٍ منها ضرورة وجدان واحد آخر منها أيضا ، مثلًا ليس لواجد قوّة البصر لزوم وجدانه قوّة السمع أيضا ، ولا لواجد قوّة النطق ضرورة وجدانه قوّة البصر وهكذا ، وهكذا فلا تلازم بين كون الإنسان عاقلًا وبين كونه حافظا لما وقع من القضايا ، ولا إيجاب بين العقل والذّكر . غاية ما في الباب أنّ التكليف كما يشترط بالعقل كذلك يشترط بحفظ ما يكلّف به وذكره لدى التكليف كما لا يخفى ، ولازم فرض التلازم بين الأمرين كون الحفظ دائرا مدار العقل وكون قلّته وكثرته نحو قلّة العقل وكثرته ، وهذا واضح البطلان جدّا ! وثانيا : أنّ وجدان قوّة العقل في زمان التكليف لا يستلزم على المكلّف ضرورة حفظ تكليفه وعدم إنسائه ، ولو بإرادة ربّه تعالى بعد انقضاء زمان التكليف أيضا مدى الأبد ما دام عاقلًا ، ولا يستدعي استحالة اقتضاء الحكمة الإلهيّة نسيانه . ثالثا : أنّ هذا النسيان يمكن أن يقال إنّه من ضروريّات الخلقة ولوازم البشريّة . توضيح ذلك : إنّ مقتضى اقتران الأرواح العلويّة النورانيّة البشريّة بالطبع الحيواني والأجزاء الأرضيّة الظلمانيّة ، وهبوطها عن العوالم الملكوتيّة بالكرة وسكونها في النشأة الترابيّة ، وانقلاب جوهرها النورانيّة وانعكاس صفائها الذاتيّة وتبدّلها بالكدورة الترابيّة ، وظهور الظلمات العنصريّة فيها ، وخفاء إنارتها بالأغشية الجسمانيّة يستلزم قهرا بالضرورة خفاءَ معلوماتها العلويّة الملكوتيّة التي كانت تدركها في عالمها بصفائها وإشراقها وإنارتها وتصير قضايا عالمها في غشاءٍ وغطاءٍ لبعدها عن عالمها . فبعد تكدّرها وتستّر صفائها بحلولها إلى العالم السفلى ، واحتجابها بالأغشية الملكيّة ، وقصور حواسّها عن الاستعمال بعوائق الحجب الظلمانيّة ، لا يتمكّن من الوقوف والاطّلاع على ما كان يشاهدها في عالمها العلوي ، ولا يمكن لها استعمال حواسّها الباطنيّة وقواها الملكوتيّة . نعم ، بعد رفع الموانع وخرق الحجب ورفض العوائق البشريّة والانسلاخ عن الأغشية
المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 290 | الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني) / طباطبائي يزدى