البدنيّة يرجع إلى واحدٍ منها بحيث لو عجز واحدٌ منها عن إقامة وظيفته المقرّرة لما يمكن قيام الآخر مقامه ويبقى الباقون على حالها مشتغلين لإقامة ما أمرت به من الوظائف ، وليس لواجد قوّةٍ منها ضرورة وجدان واحد آخر منها أيضا ، مثلًا ليس لواجد قوّة البصر لزوم وجدانه قوّة السمع أيضا ، ولا لواجد قوّة النطق ضرورة وجدانه قوّة البصر وهكذا ، وهكذا فلا تلازم بين كون الإنسان عاقلًا وبين كونه حافظا لما وقع من القضايا ، ولا إيجاب بين العقل والذّكر .
غاية ما في الباب أنّ التكليف كما يشترط بالعقل كذلك يشترط بحفظ ما يكلّف به وذكره لدى التكليف كما لا يخفى ، ولازم فرض التلازم بين الأمرين كون الحفظ دائرا مدار العقل وكون قلّته وكثرته نحو قلّة العقل وكثرته ، وهذا واضح البطلان جدّا !
وثانيا : أنّ وجدان قوّة العقل في زمان التكليف لا يستلزم على المكلّف ضرورة حفظ تكليفه وعدم إنسائه ، ولو بإرادة ربّه تعالى بعد انقضاء زمان التكليف أيضا مدى الأبد ما دام عاقلًا ، ولا يستدعي استحالة اقتضاء الحكمة الإلهيّة نسيانه .
ثالثا : أنّ هذا النسيان يمكن أن يقال إنّه من ضروريّات الخلقة ولوازم البشريّة .
توضيح ذلك :
إنّ مقتضى اقتران الأرواح العلويّة النورانيّة البشريّة بالطبع الحيواني والأجزاء الأرضيّة الظلمانيّة ، وهبوطها عن العوالم الملكوتيّة بالكرة وسكونها في النشأة الترابيّة ، وانقلاب جوهرها النورانيّة وانعكاس صفائها الذاتيّة وتبدّلها بالكدورة الترابيّة ، وظهور الظلمات العنصريّة فيها ، وخفاء إنارتها بالأغشية الجسمانيّة يستلزم قهرا بالضرورة خفاءَ معلوماتها العلويّة الملكوتيّة التي كانت تدركها في عالمها بصفائها وإشراقها وإنارتها وتصير قضايا عالمها في غشاءٍ وغطاءٍ لبعدها عن عالمها . فبعد تكدّرها وتستّر صفائها بحلولها إلى العالم السفلى ، واحتجابها بالأغشية الملكيّة ، وقصور حواسّها عن الاستعمال بعوائق الحجب الظلمانيّة ، لا يتمكّن من الوقوف والاطّلاع على ما كان يشاهدها في عالمها العلوي ، ولا يمكن لها استعمال حواسّها الباطنيّة وقواها الملكوتيّة .
نعم ، بعد رفع الموانع وخرق الحجب ورفض العوائق البشريّة والانسلاخ عن الأغشية
المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 290
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٢٩٠