ونظير هذا القول في الفساد ما استدلّ به بعضٌ من أنّ أخبار الباب مرفوعةٌ أو موقوفةٌ أو آحادٌ لا يسمِن ولا يغني ! فكأنّ هذا القائل ما رجع أخبار المسألة أصلًا إذ لا يجد المتأمّل الخبير مرفوعةً ولا موقوفةً إلّا حديثين أو ثلاثة ، ولو لم تكن أخبار هذه المسألة متواترةً لم يوجد للمتواتر مصداقٌ أصلًا !
وشريك ما ذكر في الفساد قول من تمسّك في مقام الردّ بضعف السند ، ولعَمري أنّ هذا القائل تفوّه وقد غضّ بصره ، وكيف لا وقد رأيت صحّة الأسانيد وأنّ أكثرها في أعلى درجة الصحّة ، فكأنّ المستدلّون بمثل هذه الأدلّة الواهية والأقوال الفاسدة ما رجعوا أبدا إلى الأخبار واتّبع واحدهم على الآخر بلا تأمّلٍ وتدبّرٍ ، فما أقبح التقليد في المقام ونظائره !
[ عمدة أدلّة المنكرين وردّها بنحو مستوفى ]
ثمّ اعلم أنّ عمدة أدلّة المنكرين ما أشرنا إليه سابقا من أنّ الذرّية المستخرجة في العالم الأوّل إمّا أن كانوا عقلاء واجدين لشرط التكليف من العقل أو لا ، فإن كانوا في الصفة الأولى أوجب أن يذكروا الخلق الأوّل وميثاقه بعد خلقهم في هذا العالم الموجود ؛ لأنّ العاقل لا ينسى ما يجري هذا المجرى ، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل قبح خطابهم وتكليفهم « 1 » .
وهذا الدليل كما لا يخفى بعيدٌ عن ساحة من سبق إليه قدّس اللّه سرّه . والعجب أيّ العجب عمّن اتّبع عليه في دليله هذا جهلًا وعمىً بلا تأمّلٍ فيه ، وأنت لو تأمّلت فيه تجده في غاية الضعف والفساد !
أوّلًا : أنّ العقل التكليفي الذي يشترط به التكليف ويقبح بدونه ، لا ربطَ له أصلًا لعالم الحفظ والنسيان ، وهما أمران متغايران يرجع أمر التميّز إلى القوّة العاقلة ويرجع الذكر والحفظ إلى القوّة الحافظة ، فأيّ تلازمٍ بين العقل التكليفي والحفظ ؟
ومن المعلومات الأوّليّة أنّ قوى البشريّة الإنسانيّة من الملكية والملكوتيّة لكلّ واحدٍ منها وظيفةٌ مقرّرةٌ وتكليفٌ خاصٌّ من أمور مملكة البدن لا يرتبط واحدها على الآخر ، والأمر في جميعها كالقوى الثلاثة الباصرة والسامعة والناطقة ، كلّ أمرٍ من أمور المملكة
هامش
( 1 ) . أمالي المرتضى : 1 / 20 - 23 .