درجات إنكار المنكر لا ينافي ما رويَ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من « أنّ أدنى الإنكار أن [ لا ] تلقى أهلَ المعاصي بوجوهٍ مبشّرةٍ » ! « 1 » حيث إنّ هذه الحالة من آثار الإنكار القلبيّ ، وذلك تعبيرٌ عنه بأثره .
الثالث : ما روِيَ عن عليٍّ عليه السلام : المحسن حيٌّ وإنْ نقلَ إلى منازل الأموات . « 2 »
فالمحسن حيٌّ بالحقيقة ، وحياته حقيقيّةٌ بالإضافة إلى إحسانه ولترتّب آثاره الوجوديّة عليه من هذه الجهة ، وإن كان ميّتاً من جهة عدم ترتّب آثارٍ أخرى عليه من آثاره الوجوديّة !
ويرشدك إلى ذلك ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السلام : « من يعيش بالإحسان أكثر ممّن يعيش بالأعمار » . « 3 »
فكما أنّ العيش بالأعمار نحوٌ من الحياة كذلك العيش بالإحسان نحوٌ آخَر من الحياة ، وكلتا الحياتين حقيقةٌ على نهجٍ واحدٍ .
الرابع : ما رويَ عن أمير المؤمنين عليه السلام : « العالم حيٌّ بين المَوتى ، والجاهل ميّتٌ بين الأحياء » ! « 4 »
يعني عليه السلام : أنّ العالم حيٌّ بين الجهّال وهم الموتى ، والجاهل ميّتٌ بين العلماء وهم الأحياء . فإطلاق الحيّ للعالِم من جهة ترتُّب الآثار العلميّة التي مبدأها العلم ، وكذا إطلاق الميّت على الجاهل من جهة عدم ترتّب تلك الآثار الوجوديّة عليه إنما هو على وجه الحقيقة لا المجاز .
وبعبارةٍ أخرى : إنّ الإنسان من آثار وجوده الإنسانيّ وخاصّته البشرىّ وجهاته المميّزة
هامش
( 1 ) . الكافي : 5 / 58 وعنه في وسائل الشيعة : 16 / 143 ، التهذيب : 7 / 176 . أقول : وفي المصادر كلّها : « بوجوهٍ مكفهرة » ، وهو الصحيح في معني الرواية الشريفة ، وبهذا اللفظ مكهفرة أوردها المؤلف قدس سره في كتابه الغدير : 8 / 166 .
والمكهفِر : العبوس ، ويقال ( فلانٌ مكهفرٌ ) أي : منقبضٌ كالحٌ لا يرى فيه أثر بشرٍ ولا فرحٍ . لسان العرب : 5 / 151 .
( 2 ) . عيون الحكم والمواعظ لعلي بن محمّد الليثي الواسطي : ص 27 ، غرر الحكم : 8819 .
( 3 ) . هذا شطرٌ من الحديث ، أوّله : « من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال » ، راجع عنه : بحار الأنوار : 5 / 140 ، ح 6 . أمالي الطوسي : 305 ح 858 ، مستدرك الوسائل : 11 / 326 ح 8 .
( 4 ) . عيون الحكم والمواعظ : ص 45 و 65 ، تصنيف نهج البلاغة : 757 ، وغرر الحكم : 1163 ، وفيه : الجاهل ميتٌ وإن كان حياً .