باللسان ، ثمّ نهيٌ عنه بالقلب ؛ وهو من آثار الوجود البشريّ الاسلامي ؛ فلابدّ من ترتّب هذا الأثر على وجود الرجل الدينىّ ولو بآخر مراتبه وأقصى درجاته وهو إنكاره بالقلب ، وهذه المرتبة الأخيرة ما لابدَّ منه على كلِّ حالٍ ويتمكّن منه كلُّ مكلّفٍ في تمام الأحوال ، ولا يكون لأحدٍ في تركه عذرٌ ، بخلاف مرتبتي إنكاره باللسان واليد ، فإنّه قد يكون منهما بدٌّ وعنهما عذرٌ ؛ فمن ترك آخرَ مراتبه وأقصاها ولم يترتّب على وجوده شيءٌ من هذا الأثر ولو بآخِر مراتبه ، فهو ميّتٌ في الحقيقة ، لانقطاع هذا الأثر الوجوديّ الحياتيّ عنه بمراتبه ومدارجه .
ويرشدك إلى هذا التحقيق ما روِيَ عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال في كلامٍ له :
« فمنهم المنكِر للمنكَر بيده ولسانه وقلبه ، فذلك المستكمل لخصال الخير ، ومنهم المنكِر بلسانه وقلبه والتارك بيده ، فذلك متمسّكٌ بخصلتين من خصال الخير ومضَيّعٌ خصلةً ، ومنهم المنكر بقلبه والتّارك بيده ولسانِه ، فذاك الذي ضيّع أشرفَ الخصلتين من الثّلاث ، وتمسّك بواحدةٍ ( أشرف الخصلتين ، من إضافة الصفة للموصوف ، أي الخصلتين الفائقتين في الشرف عن الثالثة ، وليس من قبيل إضافة اسم التفضيل إلى متعدّد ) « 1 » . ومنهم تارك لإنكار المنكَر بلسانه وقلبِه ويدِه ، فذلك ميّت الأحياء » ! « 2 »
وفي كلام له عليه السلام : « إنّ أوّل ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ، ثمّ بألسنتكم ، ثمّ بقلوبكم ! فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكِر منكراً قلِبَ ، فجعِلَ أعلاه أسفلَه وأسفله أعلاه » ! « 3 »
وروِيَ عنه عليه السلام في المعنى : « أيها المؤمنون ! إنّه من رأى عدواناً يعمَل به ومنكراً يدعى إليه فأنكر بقلبه فقد سلِمَ وبرئَ من الإثم وسلم من العقاب إن كان عاجزاً . ومن أنكره بلسانه فقد أجِرَ وهو أفضل من صاحبه ، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة اللّه هي العليا وكلمة الظالمين السفلى ، فذلك الذي أصاب سبيلَ الهدى وقام على الطريق ، ونوّر قلبَه اليقين » . « 4 »
ولا يخفى أنّ ما ذكِرَ من كون الإنكار القلبيّ آخر مراتب النهي عن المنكر وأقصى
هامش
( 1 ) . ما بين القوسين فهو من كلام العلامة الأميني مصنف الكتاب ، وليس من الرواية .
( 2 ) . نهج البلاغة ، الحكمة 374 ، ونقله عن الرضي الحرُّ العاملي في وسائل الشيعة : 16 / 134 ، وقريبٌ منه ما ورد في بحار الأنوار : 100 / 82 ح 43 .
( 3 ) . نهج البلاغة : الحكمة 375 ، عيون الحكم : 153 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 19 / 312 . ورواه المتقي الهندي في كنز العمال : 3 / 683 برقم 8452 مع اختلافٍ يسيرٍ عن ابن أبي شيبة وأبي نعيم .
( 4 ) . نهج البلاغة : الحكمة 373 ، وسائل الشيعة : 16 / 133 .