تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
فلمّا كان المفهوم من الحيّ هو الكامل في جنسه ، والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته ؛ فلا حيَّ بالحقيقة إلّا واجب الوجود لذاته ! ثمّ إنّه يستتبع هذا الاختلاف الخلاف بين علماء التفسير في أنّ اطلاق اسم الحيّ والميّت على الجماد - كما في غير موضعٍ من كتاب اللّه - حقيقةٌ أو مجازٌ ؟ وذهب الأكثرون إلى أنّه مجازٌ ؛ والحقّ خلاف ذلك . والتحقيق أنّ الحياة والموت ليست هي كمال حال الشيء في جنسه أو نوعه ، حيث إنّه لو كان كذلك لجاز أن يقال لكلّ كاملٍ في جنسه إنّه حيٌّ ، ولا يقال للذّهب الكامل العيار إنّه حيٌّ ، ولا للثوب الكامل في نسجه إنّه حيٌّ ، ولا للدرّ الصافي إنّه حيٌّ ، وليست ممّا يختصّ حقيقته للقوّة الحسّاسة التي في هذه الحيوانات ، وليس الاطلاق مجازاً في مباديها ومقدّماتها من النباتات وغيرها أو غاياتها من العلم والإيمان ، بل كلُّ شيءٍ يلاحَظ له أثرٌ من الآثار له حياةٌ ، وما بإزائها موتٌ ، وهو عدم تلك الحياة . وذلك أنّ كلَّ شيءٍ من الحيوانات والنباتات والجمادات وغيرها من الجسمانيّات والنورانيّات المجرّدة والروحانيّات المحضة ، وكلُّ ما له آثارٌ وجوديّةٌ وشؤوناتٌ مجعولةٌ يترقّب منه تأثيرها ، وينبغي أن يكون كلّ على شأنه ومؤثّراً لما يرى له من الآثار الوجوديّة التي بها حياته ، له حياةٌ وموتٌ . فكلُّ شيءٍ ترتّب عليه آثاره الذاتيّة وأفادها وأفاض بها وكان على ما ينبغي عليه فهو ذاتٌ قائمٌ بالحياة ، وما بإزاء ذلك فهو ميّتٌ ؛ فلكلِّ شيءٍ حياةٌ وموتٌ . ألا ترى ما في الدعاء المسمّى بالجوشن الكبير من قوله : « يا محْيِيَ كلِّ شَيْيءٍ وَمميتَه ! يا خالِقَ كلِّ شيءٍ وَوارِثَه » « 1 » ونظير ذلك كثيرٌ في كلمات الأئمة المعصومين عليهم السلام .
هامش
( 1 ) . دعاء الجوشن الكبير مرويٌ عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، رواه جماعةٌ من متأخّري أصحابنا رضوان اللّه تعالى عليهم . رواه الكفعميُّ في البلد الأمين : 402 - 411 ، ونقله المحدّث القمي في مفاتيح الجنان : 86 - 100 ط المكتبة الاسلامية . قال الكفعميُّ : هذا الدعاء مرويٌّ عن النبي . . . نزل به جبرئيل على النبي صلّى اللّه عليه وآله .