بل ولانا الجِنان لا تَدَعوها * والرّضا امّ روضها وأبوها
فاصْحَبوا حبّنا ومنّا خذوها * هي دارٌ لنا ونحن ذَووهَا
لا يرى غير حِزبِنا مرماها * خلِقَتْ لِلّذي إلى الحقّ دَانَا
لا لمن خَانَ عَهْدَنا وجَفانا * فجِنان النعيمِ مَهر ولانا
وَكَذاكَ الجَحيم سجن عِدانا * حسبهم يومَ حشرِهم سكناها « 1 »
أيضٌ « 2 » إلى ما نحن فيه :
فكما عرفت أنّ تفضيل الأنبياء والأوصياء على سائر أطباق الناس وتفضيل بعضهم على بعض ووجدان كلّ واحدٍ منهم رتبةً من منصب النبوّة والوصاية وتقديم كلٍّ منهم على الآخر بتشريفاتٍ إلهيّةٍ في الآخرة والأولى إنّما هو على حسب مراتب أهليّتهم الحاصلة بطاعة اللّه ، واستحقاقهم العلمي المكتسب في عالم الأظلّة يوم الميثاق .
فاعلم أنّ تفضيل الأنبياء وتشريفهم في خلق الأرواح البشريّة بخلق أرواحهم من العليّين ، وخلق روح صاحبي النبوّة العامّة والولاية المطلقة من الكلمة الإلهيّة ، وخلق أرواح المؤمنين دون العليّين ، وخلق أرواح الجبابرة والمستكبرين عن عبادة اللّه من السجّين ، وكذلك تفضيل الناس بعضهم على بعضٍ في الخلق الثاني بالخلق من العليّين ودون العليّين ، والسجّين ودون السجّين ، وجعلهم صنفين وصفّين : صحب يمينٍ وشمالٍ ، وجعل أصحاب اليمين المقرّبين وغير مقرّبين ، وثبت الإيمان وكتابته على صفحات قلوب صحب الإيمان ، وثبت الكفر والجحود على القلوب المستكبرة ، كلّ ذلك ممّا لا نستطيع إنكاره ليس إلّا من جهة الاستحقاق العلمي والأهليّة المكتسبة !
فهذه القضايا المسلّمة الثابتة التي لا يردّها إلّا الجاهل المعتوه إنّما يقتضي وجودَ عالَمِ خلقٍ وتكليفٍ قبل هذا العالم الموجود وتكليفه ، ولولاه يلزم من الفساد ما يلزم ، وسيجئ إن شاء اللّه تعالى تفصيل هذه التفضيلات البشريّة وتحقيقها في « المطلب الرابع » تحت عنوان
هامش
( 1 ) . الأزرية للشيخ كاظم الأزري : 104 - 105 .
( 2 ) . أيض : آضَ يئِيض أَيضا : سارَ وعادَ . وآضَ إِلى أَهله : رجع إِليهم .