مسبوقٌ سابقاً ولا مفضولٌ فاضلًا ، تفاضل بذلك أوائل هذه الامّة أواخرها ؛ ولو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضلٌ على المسبوق إذا للحقَ آخِر هذه الامّة أوّلها !
نعم ، ولتقدّموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الإيمان الفضل على من أبطأ عنه ، ولكن بدرجات الإيمان قدّم اللّه السابقين ، وبالإبطاء عن الإيمان أخّر اللّه المقصّرين ! لأنّا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملًا من الأوّلين وأكثرهم صلوةً وصوماً وجهاداً وزكوةً وحجّاً وإنفاقاً ! ولو لم يكن سوابق يفضّل بها المؤمنون بعضهم بعضاً عند اللّه لكان الآخرون بكثرة العمل مقدَّمين على الأوّلينَ ، ولكن أبى اللّه عزّوجلّ أن يدرك آخر درجات الإيمان أوّلها ويقدّم فيها من أخرّ اللّه ، ويؤخّر فيها من قدّم اللّه !
قال : قلت : أخبرني عمّا ندب اللّه عزّوجلّ المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان !
فقال : قول اللّه عزّوجلّ :
« سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ »
( الحديد : 21 ) ، وقال :
« وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ »
( الواقعة : 10 - 11 ) ، وقال :
« وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ »
( التوبة : 100 ) . فبدأ بالمهاجرين الأوّلين على درجة سبقهم ، ثمّ ثنّى بالأنصار ، ثمّ ثلّث بالتابعين لهم بإحسان ، فوضع كلّ قومٍ على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده ، ثمّ ذكر ما فضّل اللّه عزّ وجلّ به أولياءه بعضهم على بعضٍ ، فقال عزّوجلّ :
« تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ . . . »
إلى آخر الآية ( البقرة : 253 ) ، وقال :
« وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ »
( الإسراء : 55 ) ، وقال :
« انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا »
( الإسراء : 21 ) ، وقال :
« هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ »
( آل عمران : 163 ) ، وقال :
« يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ »
( هود : 3 ) ، وقال :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ »
( التوبة : 22 ) ، وقال :
« وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً »
( النساء : 95 و 96 ) ، وقال :
« لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ