تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وسنقرأ بعَيدَ هذا من الأحاديث ما يفيد في المقام ، ويثبت المدّعى عَدُّ اختلافهم في درجات منصبهم فضلًا وفضيلةً لهم .

[ مدار التفضيل والتفاضل عند اللّه ]

بيان ذلك : إنّ الاصطفاء والتفضيل الإلهي في مورده لا يخلو من وجهين : الأوّل : [ أن ] يكون مجرّد اختيارٍ وتفضيلٍ من اللّه تعالى للمصالح والحِكَم الكونيّة من دون مزيّةٍ في ذات الفاضل ، فإنّه تعالى وإن لا يسأل عن فعله لكن هذا القسم من اختيار اللّه وتفضيله لا يعدَّ فضيلةً لذات الفاضل ، ولا يرى بذلك للمختار مزيّةٌ ، ولا يوجب الشرافة ، ولا يستدعي مزيد حسبٍ لواجده على فاقده ، ولا ينبغي لواجده التفاخر على غيره ! وأكثر التفضيلات الكونيّة إنما هو من هذا القبيل ، كفضل الصحيح على السقيم ، والأعمى على البصير ، والسميع على الأصمّ ، والناطق على الأخرس ، والغنيّ على الفقير ، وأمثال ذلك ممّا فضّل اللّه به بعض الناس على بعضٍ لمصالح كونيّةٍ وقال :
« انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ »
. « 1 » وقال تعالى :
« وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ »
. « 2 » ويرشدك إلى ما ذكِرَ ما في سورة الفجر من قوله تعالى ( 15 إلى 17 ) وما أفاده الطبرسيُّ رحمه اللّه في تفسيره ، وأذكرهما معاً ، قال : «
« فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ »
أي : اختبره وامتحنه بالنعمة
« فَأَكْرَمَهُ »
بالمال
« وَنَعَّمَهُ »
بما وسع عليه من أنواع الإفضال
« فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ »
فيفرح بذلك ويسرّ ويقول : ربّي أعطاني ، هذا لكرامتي عنده ومنزلتي لديه . أي : يحسب أنّه كريمٌ على ربّه حيث وسّع الدنيا عليه .
« وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ »
بالفقر والفاقة
« فَقَدَرَ »
أي فضيّق وقتر
« عَلَيْهِ رِزْقُهُ » *
وجعله على قدر البلغة
« فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ »
أي : فيظنّ أنّ ذلك هوانٌ من اللّه ويقول : ربّي أذلّني بالفقر !
هامش
( 1 ) . الإسراء : 21 . ( 2 ) . النحل : 71 .