ثمّ قال :
« كُلا » *
أي : ليس كما ظنّ ، فإنّي لا أغني المرءَ لكرامته عَلَيَّ ، ولا أفقره لمهانته عندي ، ولكنّي أوسع على من أشاء وأضيق على من أشاء بحسب ما توجبه الحكمة ويقتضيه الصلاح ، ابتلاءً بالشكر والصبر ! وإنما الإكرام على الحقيقة يكون بالطاعة ، والإهانة تكون بالمعصية . ثمّ بيّن سبحانه ما يستحقّ به الهوان ، فقال : بل إنما أهنت من أهنت لأنّهم عصوني ، ثمّ فصّل العصيان ، فقال :
« بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ »
. . . » انتهى . « 1 »
الثاني : أن يكون التفضيل والاصطفاء لمزيّةٍ في نفس المصطفى ، ولفضيلةٍ من جهة المختار ، واستند لقابليّة ذات الفاضل وأهليّته ، واستدعاه استحقاقه واقتضاه تقدّمه العملي على غيره .
فهذا القسم من الاصطفاء والاختيار هو فضيلةٌ على الحقيقة ، وبه يحصل الشرف ويحقّ أن يفتخر به صاحبه على غيره ، ويباهي واجده على فاقده كفضل العالم على الجاهل ، والمؤمن على الكافر ، والعادل على الفاجر ، والمجاهد على القاعد كما فضّل اللّه المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجاتٌ منه ومغفرةٌ ورحمةٌ ! « 2 » لكون تفضيل الأنبياء على غيرهم من أفراد البشر ومراتبهم في التفضيل وتقدّم كلّ واحدٍ منهم على الآخر موجب علوّ المقام ورفعة الدرجة ، وعدّ ذلك فضلًا وفضيلةً في مقام الافتخار .
وكون فضيلة كلّ واحدٍ منهم باعتبار درجات منصبهم إنما يقتضي كونه من الوجه الثاني ، أعني كونه في قبال الفضائل الذاتيّة التحصيليّة ومزاياهم الكسبيّة . ومعلومٌ أنّها إنّما هي باعتبار القرب في الحضرة الإلهيّة . والقرب في حضرته إنما يحصل بالمهاجرة عن موطن النفس ابتغاءً لوجهه وطلباً لمرضاته ، ويتأتّى بالسلوك في السفر إلى اللّه بمطيّة العقل وتقوية القوى الروحيّة الملكوتيّة بالاتّباع إلى اللّه والطاعة .
فالإنسان إنما يتفاضل بالانقياد إلى مولاه ؛ ومدار الفضيلة هو التقوى ، وأحبّ الخلق إلى اللّه أطوعهم إليه ، وأكرمهم عنده أتقاهم ، وأفضلهم لديه أفضلهم في الطاعة ، وأولاهم به أولاهم اتّباعاً ، وأكثرهم قربا إليه أوفرهم حظّا في العبادة . ويفيد هذا المعنى قوله تعالى :
« إِنَّ
هامش
( 1 ) . مجمع البيان : 10 / 352 من طبعة مؤسسة الأعلمي في بيروت .
( 2 ) . إشارة إلى الآيات 95 و 96 من سورة النساء .