وما تشاهد أنت من الإقرار والتوحيد والإسلام في هذه النشأة الحاضرة إنما هو من آثار تلك المعرفة الكسبيّة الحاصلة في العرض الأوّل المكتوبة على الأرواح البشريّة وتبعات الفطرة الإلهيّة التي فطر الناس عليها . وما تعايِن أنت من التشكّلات المختلفة والتلوّثات المتباينة بين الأفراد البشريّة إنما هو ظهور تلك الصفة الأصليّة الميثاقيّة في هذه النشأة باختيارٍ منهم ؛ فمنهم مؤمنٌ وسعيدٌ لا يَشذُّ منهم شاذٌ ولا يدخل فيهم داخلٌ !
« أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ »
« 1 » ، فاللّه أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقّ بها ؛ ومنهم كافرٌ وشقيٌّ ما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل في يوم الميثاق ! لا يكون هؤلاء من هؤلاء ولا هؤلاء من هؤلاء ! كما ورد في الأحاديث الشريفة . « 2 »
فالميثاق المثبت على القلوب والعهد المكتوب عليها إنما هو كالبذور والحبوب المنثورة في أرض القلب في هذه النشأة الدنيويّة التي هي مزرعة الآخرة ، وهذه النشأة الحاضرة والحياة الدنيويّة إنما هي لتربيتها وإنباتها وبدوِّ صلاحها وفسادها ؛ فبذر الإيمان ينبت بمرور الأيّام وينمو يوماً فيوماً بسقي أرض القلب بالطاعات والحسنات ، وتطهيرها من المعاصي وتهذيبها عن الأخلاق الذميمة ، وتنقيتها عن الأرجاس النفسانيّة ، كتقليب الأرض وتنقيتها من الأحجار والشُّوك والحشيش والنباتات الخبيثة المانعة عن نبات البذر والمفسدة للزرع إلى أن يأتي عليه يوم حصاده . وهو كشجرةٍ طيّبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء تؤتي أكلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربَّها ، فاللّه أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ويقيناً مع يقينهم ! « 3 »
وكذلك حبّة الجحود وبذر الكفر المزروع في قلوب أهلها ، فإنّه ينمو في هذه النشأة بمرور الأيّام وينبت يوما بعد يومٍ بسقي أرضه بمعاصي والسيّئات وتكثر أصوله حيناً بعد حينٍ ، وتزيد فروعه بتوارد الأرياح النفوس الأرضيّة حتّى تصير صفحة القلب في غطاءٍ منه ويستولي خبثه ورينه عليه ، فيأتي عليه حصاده . وهو كشجرةٍ خبيثةٍ اجْتثَّتْ من فوق
هامش
( 1 ) . المجادلة : 22 .
( 2 ) . انظر ما سيأتي من روايات ذيل عنوان « روايات أخرى في الخلق الأول والميثاق المأخوذ على الإنسان » في ص 186 من الكتاب .
( 3 ) . إشارة إلى الآيتين 24 و 25 من سورة إبراهيم عليه السلام ، والآية 3 من سورة الفتح .