[
النبيُّ المطلق هو المعرف الأول
] ثمّ اعلم أنّه يختلف مراتب المعرّف والأسماء الذاتيّة كاختلاف مراتب الأسماء اللفظيّة ، فَمِن المعرّف مَن يختصّ بجمعٍ دون جمعٍ وعصرٍ دون عصرٍ ، ومنه من يختصّ بزمانه وأهل عصره ، ومنه من يختصّ بأهل عصره ، ومنه من يختصّ بعشيرته ، ومنه من يختصّ بأهله .
ومنه من لا يقيِّد منصبه بجمعٍ وعصرٍ دون عصرٍ وخلقٍ دون خلقٍ ، بل يكون معرِّفاً بالإضافة إلى جميع خلائق عالم الأمر والخلق من الروحانيّات والجسمانيّات . وهذا هو النبّوة المطلقة الغير المقيّدة بشيءٍ من القيودات المذكورة ، وهي النبوّة الحقيقيّة الحاصلة في الأزل ، الباقية إلى الأبد !
وليس هذا المنصب إلّا اطّلاع صاحبه به على استعداد جميع الموجودات بحسب ذواتها وماهيّاتها وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقَّه الذي يطلبه بلسان استعداده وبيان قابليّته ؛
وصاحب هذا المنصب أشرف المخلوقات من الأوّلين والآخرين ، وأكرم المنتَجَبين ، وهو الخليفة الأعظم ، والآدم الحقيقي ، والقلم الأعلى ، والعقل الأوّل ، والروح الأعظم ، والمعرّف الأوّل ، ومبدء فيض الوجود ، وهو المخصوص بشرف « لَولاك لَولاك لَما خَلَقت الأفلاك » ! حيث إنّه بحكم العقل أوّل المخلوقين ، ولولا أوّليّتة لما يصحّ هذا الخطاب ولا يتمّ هذه العلّيّة ، إذ كما عرفت إنما هي باعتبار المعرّفيّة لا غير .
فالنبيُّ المطلق والمتحلّي بهذا المنصب والمخاطب بلولاك ليس إلّا نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله . وبهذا المنصب المنيع والمحلّ الرفيع له الثقافة والشرف بين الأنبياء والمرسلين ، وله المقام المحمود والجاه العظيم بين الأوّلين والآخرين ، وهو المنغمس بذلك في بحار الفضيلة والمنزلة الجليلة والدرجة الرفيعة والمرتبة المنيعة الخطيرة !
فيقتضي منصبه هذا بالحكم العقلي أن يكون أوّل ما خَلَقَ اللّه تعالى ، وأوّل من عَرَفَ اللّه تعالى ، وأوّل معرّف للّه تعالى ، وأوّل من أخذ منه الميثاق ! وقد أشار إليه بقوله صلّى اللّه عليه وآله : « أنا أوّل الأنبياء خلقاً وآخرهم بَعثاً » ! « 1 »
هامش
( 1 ) . عوالي اللئالي : 4 / 122 ح 202 ، تفسير الآلوسي : 14 / 41 .