تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
وإمّا من قبيل الذوات - أعني الأنبياء والأوصياء - على اختلاف مراتبهم في المعرّفيّة . ومعلومٌ أنّه لولا المعرّف الذاتيّ لَما تفيد المعرّفات اللفظيّة شيئاً بل تكون مهملةً ! إذ هي ألفاظٌ لا يعلم حقيقتها ولا يفهم مفادها إلا بمعرّفٍ ومعلّمٍ ومدرّسٍ ومترجمٍ يبيّنها ويوضح معانيها ويكشف المراد منها . فكما أنّ الأسماء اللفظيّة تنبىء عن مفادها بموادّها وهيئاتها ، كذلك الأسماء الذاتيّة والمعرّف الذاتيّ لابدّ أن يكون معرّفاً بصورته وحقيقته ، دالًاً إلى ما خلِقَ له بسيرته وسريرته . فيقتضي أن يكون المعرّف كتاباً جامعاً للصفات الإلهيّة ، مرآتاً صافياً ، مظهراً لمعاني الأسماء اللفظيّة في الخارج ، هيكلًا قدسيّاً ، واجداً لحقيقة جامع الأسماء ، مبيّناً بوجوده حقائق الأسماء اللفظيّة ومفادها ، مثبتاً بذاته ما يدّعي لربّه من الصفات ، مظهِراً في الخارج شؤون الإلهيّة عند جاحدها والمنكر لها ، بمعنى أنّه عند ادّعائه مثلًا بأنّ اللّه تعالى هو المحيي والمميت والشافي وعلّام الغيوب والمطّلع على ما تخفيه الضمائر لابدّ له بإذنِ اللّه ومشيّته وأمره في مقام الإثبات واتمام الحجّة واقتضاء الحاجة وإقامة البيّنة من إحياء الأموات وإماتة الأحياء وشفاء المرضاء والإخبار عن المَغيبات والإعلام عمّا تخفيه الصدور . وكذلك الأمر في كلّما يدّعيه المعرّف من الصفات لربّه ، فإنّه لابدّ له عند ذلك من إرائتها لجاحديها في الخارج ! ويقتضي منصبه أن يؤيّده اللّه بذلك ، ألا ترى قوله تعالى :
« إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي . . . »
الآية . « 1 » فبالجملة أنّ الآية المعنونة أعني قوله تعالى
« وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى . . . »
الآية بإطلاقها شاملةٌ على الأسماء اللفظيّة والذاتيّة . فالأدلاء على اللّه من الذوات المقدّسة سِماتٌ وعلاماتٌ وأسماءٌ على الحقيقة ، بل إطلاق الأسماء عليهم أولى وأنسب من إطلاقها على الأسماء اللفظيّة لما عرفت مفصّلًا .
هامش
( 1 ) . المائدة : 110 .