ومن هنا يعلَم معنى ما ورد في غير واحدٍ من أخبار الأئمة المعصومين عليهم السلام : « لو لم يبق في الأرض إلّا اثنان لَكان أحدهما الحجّة » ! « 1 » ولا يمكن خلوّ الأرض من المعرّف ، ولا يتمّ الحجّة إلّا به .
وكما بالمعرّف يبدء ، كذلك به ينتهي وينطوي أمر الخلقة بحكم العقل ! وقد أشار بذلك أبو عبد اللّه عليه السلام في قوله : « إنّ آخِرَ من يموت الإمام ، لئلّا يحتجّ أحدٌ على اللّه عزّوجلّ أنّه تَرَكَه بغير حجّةٍ للّه عليه » . « 2 »
فوجود المعرّف ضروريٌّ من أوّل الخلق إلى انتهائه . وذلك ما أفاده الإمام أبو عبد اللّه عليه السلام بقوله : « الحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق » . « 3 »
فالمعرّف إنّما خلِقَ لأجل اللّه تعالى وسائر الموجودات مخلوقٌ لأجل معرّف الكلّ . وهذا معنى قوله تعالى لأشرف بريّته صاحب النبوّة المطلقة أعني نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله :
« خَلَقت الأشياء لك وخَلَقتك لأجلي » ! « 4 »
وهذا المعنى هو المراد في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « نحن صنائع اللّه والخلق بَعد صنائع لَنا » ! « 5 »
[
المعرّف الذاتي مرآةٌ مظهرٌ للأسماء الحسنى الإلهيّة
] فلمّا علِمَ كون الغاية للخلقة المعرفة وكونها وجود المعرّف ؛ فاعلم : أنّ المعرّف الإلهي إمّا من قبيل الألفاظ وهي الأسماء الحسنى الإلهيّة اللفظيّة التي سمّى اللّه تعالى نفسه بها وجعلها معرّفات صفاته وسمات نعوته ، وهي على ما يدلّ غير واحدٍ من الأخبار تسع وتسعون اسماً ؛
هامش
( 1 ) . الكافي : 1 / 6 ح 1 ، بحار الأنوار : 23 / 36 و 52 .
( 2 ) . الكافي : 1 / 180 ، الإمامة والتبصرة : 30 ، الغيبة للنعماني : 142 ، علل الشرائع : 1 / 196 .
( 3 ) . رواه الكليني في الكافي : 1 / 177 ، والصدوق في كمال الدين : 221 ، والمفيد في الاختصاص : 23 عن أبان بن تغلب عن الصادق عليه السلام .
( 4 ) . تقدّم الحديث في ص 85 وراجع تعليقتنا عليه .
( 5 ) . نهج البلاغة ، باب رسائله عليه السلام رقم 28 : من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً ، وفيه : فإنّا صنائع ربّنا والناس بعد صنائع لنا . وأورده المجلسي في بحار الأنوار : 33 / 58 عن نهج البلاغة والاحتجاج . وراجع بيان المجلسي لهذا الحديث : 33 / 68 .