ومن هنا يعلَم وجه تأويل « لِيَعبدوني » في قوله تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
« 1 » إلى قولهم : « ليعرفوني » !
[
المعرفة هي غاية الخلقة
] فلمّا علِمَ ضرورة وجود الخلقة ومعنى المعرفة فليعلَم أنّ غاية اتّصاف اللّه تعالى بكلّ جميلٍ إلى أنّه لا بدّ بعد ذلك أن يكون للّه تعالى معرّفٌ يعرّفه بصفاته عند مخلوقه ، ودليلٌ يدلّهم إليه ، وسمةٌ يبلغهم عليه .
ولا يمكن معرفة صفاته إلّا بوجود معرّفٍ غير وجوده ، لأنّ ذاته تبارك وتعالى لا يمكن أن يكون هوالمعرّف لشؤونه وصفاته لكلّ واحدٍ واحدٍ من ذوي العقول لعدم السنخيّة والمشاكلة بينه وبين كلّ مخلوقٍ ، وعدم قابليّة كلّ إنسانٍ لحضرة جلاله ، وعدم استعداد كلّ أحدٍ للمخاطبة معه بلا واسطة معرّفٍ ، وعدم لياقة البشر الملكي الشهودي المستهلك ملكوتيّته بقواه السَّبعيّة والبهيميّة والشيطانيّة ، المستغرق في بحور الشهوات ، المضطهد عقله بهوى نفسه . ألا ترى عدم إمكان كون المعرّف بينه تعالى وبين البشر هو الملك ، كما قال تعالى :
« وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ »
. « 2 »
وليس ذلك إلّا لعدم السنخيّة والمشاكلة بين الملك والبشر ، فلابدّ من وجود معرّفٍ قبل بدء الخلقة وقوام كلّ النسمات وبين يدي تمام المخلوقات . ويقتضي حكم العقل أن يكون وجود المعرّف أوّلَ ما خَلَقَ اللّه وأوّلَ من قرع باب الاستنارة في عالم الوجود ! ويستدعي منصبه هذا أن يكون ذاته أوّلَ الذوات وأسبقَها ! ألا ترى بدء الخلقة البشريّة في عالم الخلق بالمعرّف ، أعني نبيّه آدم عليه السلام .
فكما ابتدء به عالم الملك والشهود كذلك الأمر في عالم الأمر والغيب والملكوت لابدّ من أن يبدء بالمعرّف ، ولولا وجوده لَما يكوّن كائنٌ في الكون ، إذ لولاه ما عرفَ اللّه وما عبدَ وما وحّد وما قدّس ! فيكون وجود الخلق السابق على المعرّف لغواً وعبثاً .
هامش
( 1 ) . الذاريات : 56 .
( 2 ) . سورة الأنعام : 9 .