والجيد النزاع ، وإنما جعل أبو دلف هذا البيت ألأم بيت لأنه يدل على قلة رعاية وشدة قساوة وحنين الرجل إلى أوطانه منقبة من علامات الرشد ؛ لما فيه من الدلائل على كرم الطينة وتمام العقل .
وقالت الحكماء : حنين الرجل إلى وطنه من علامات الرشد ، وقال بزرجمهر :
من أمارات العاقل بره بإخوانه وحنينه إلى أوطانه ومداراته لأهل زمانه ، وقال أعرابي : لا تشك بلدا فيه قبائلك ولا تجف أرضا [ 1 ] فيها قوابلك ، وقالت العرب : أكرم الخيل أشدها خوفا من السوط ، وأكيس الصبيان أشدهم بغضا للمكتب ، وأكرم الصفايا أشدها حنينا إلى أوطانها ، وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها ، وأكرم الناس آلفهم للناس .
وقد بيّن اللّه تعالى فضل الوطن ، وكلف النفوس به في قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
« 1 » فجعل خروجهم من ديارهم كفؤ قتلهم لأنفسهم ومنه قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَلَوْ لا أَنْ
[ 213 ن ]
كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا
« 3 » ، فجعل إخراجهم من ديارهم بدلا من العذاب المستأصل لهم لشبهه به عندهم .
وقال بعض الحكماء : الخروج من الوطن أحد السبابين ، والجلاء أحد القتلين .
وقال يحيى بن أبي طالب [ 2 ] « 4 » :
هامش
[ 1 ] أرضا فيها في ( ك ) .
[ 2 ] يحيى أبي طالب في ( م ) و ( ز ) .
( 1 ) النساء 66 .
( 2 ) البقرة 84 .
( 3 ) الحشر 3 .
( 4 ) هو يحيى بن طالب الحنفي من بني ذهل بن الدؤل ، شاعر مخضرم . الأغاني 24 / 115 - 121 والتذكرة السعدية 219 ، 337 والحماسة البصرية 2 / 136 ، 203 والسمط 348 ومختار -