وتصوير الحق في صورة الباطل ، والباطل في صورة الحق . والذي قاله صحيح لا يخفى موقع الصواب فيه على أحد من أهل التمييز ، وذلك أن الأمر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادي على نفسه بالصحة ، ولا يحوج إلى التكلف لتصحيحه حتى يوجد العيي فيه خطيبا . وإنما الشأن في تحسين ما ليس بحسن ، وتصحيح ما ليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتخييل ، ونوع من العلل والمعاريض ليخفي موضع الإساءة ويغمض موضع التقصير فيه .
وقد فسرت في كتاب صنعة الكلام مواضع الإشكال من هذه الفصول ، فتركت إعادتها هاهنا ، فإذا أردتها فاطلبها في مظانها هناك تظفر ببغيتك منها إن شاء اللّه تعالى . وقد أحبّ قوم الإيجاز في بعض المواضع ، منهم جعفر بن يحيى قال لكتابه :
إن استطعتم أن يكون كلامكم مثل التوقيع فافعلوا .
وقال بعضهم في المذهب الأول إذا كان الإيجاز كافيا كان التطويل عيا . وإذا كان التطويل واجبا كان التقصير عجزا .
وقيل لأعرابي : ما البلاغة ؟ فقال : الإيجاز من غير عجز ، والإطناب من غير خطل . فانظر إلى كلام هذا الإعرابي فهو بليغ .
جمل من بلاغات العجم
العجم والعرب في البلاغة سواء ، فمن تعلم البلاغة بلغة من اللغات ثم انتقل إلى لغة أخرى ، أمكنه فيها من صنعة الكلام ما أمكنه في الأولى ، وكان عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتاب التي رسمها من اللسان الفارسي ، فحولها إلى اللسان العربي ، وبذلك [ 100 ن ] على هذا أيضا أنّ تراجم خطب الفرس ورسائلهم ، هي على نمط خطب العرب ورسائلها ، وللفرس أمثال مثل أمثال العرب معنى وصنعة ، وربما كان اللفظ الفارسي في بعضها أفصح من اللفظ العربي ، من ذلك قول العرب