وقال أعرابيّ : أبلغ الناس أسهلهم لفظا وأحسنهم بديهة . وهذا حسن جدا لأنّ سهولة اللفظ وحسن البديهة يدلّان على جودة القريحة والبلاغة الغريزية ، ووعورة اللفظ تدل على تكلّف وتعسف ، ولا شيء أذهب بماء الكلام وطلاوته ورونقه منهما ولا يحسن معهما [ 1 ] الكلام أصلا ، وإن كان لطيف المعنى نبيل الصنعة . وقد أجاد ابن الرومي في قوله : البلاغة حسن الاقتضاب عند البديهة ، والغزارة يوم الإطالة .
فجعل البلاغة في الغزارة كما [ 98 ن ] جعلها غيره في الإيجاز .
وقيل لهندي : ما البلاغة ؟ فقال : تصحيح الأقسام واختيار الكلام . وقال الحسن بن سهل : البلاغة ما فهمته العامة ورضيته الخاصة ، وقال عبيد اللّه بن عتبة : البلاغة دنو المتأخر وقرع الحجة وقليل من كثير ، ويروى هذا عن أكثم بن صيفي أيضا .
وقال ابن المقفع : البلاغة اسم لمعان تجري في وجوه ، فمنها ما يكون شعرا ، ومنها ما يكون سجعا ، ومنها ما يكون خطبا ، ومنها ما يكون رسائل ، فعامة ما يكون من هذه الأحوال فللوحي فيها والإشارة إلى المعنى أبلغ والإيجاز البلاغة ، وتأويل هذا ما قدمناه . وقال غيره : البلاغة قول يسير يشتمل على معنى خطير .
وقال الآخر : البلاغة [ 2 ] علم كثير في قول يسير . وقال جعفر بن يحيى :
البلاغة أن يكون الاسم محيطا بمعناك ، ويجلى على مغزاك ، ولا تستعين عليه بطول الفكرة ، ويكون سليما من التكلف بعيدا من سوء الصنعة ، بريئا من التعقد ، غنيا عن التأمل . وقال أعرابي : البلاغة التقرّب من معنى البغية ، والتبعّد من حشو الكلام ، وقرب المأخذ وإيجاز في صواب ، وقصد إلى الحجة وحسن الاستعارة . وقال محمد ابن الحنفية : البلاغة قول مفقه في لطف . وقال علي رضي اللّه عنه : البلاغة إيضاح الملتبسات ، وكشف عوار الجهالات بأحسن ما يمكن من العبارات .
ومثله قول الحسن بن علي رضي اللّه عنهما : البلاغة تيسير عسير الحكمة بأقرب الألفاظ . [ 99 ن ] وقال ابن المقفع : البلاغة كشف ما غمض من الحق ،
هامش
[ 1 ] مع الكلام في ( م ) .
[ 2 ] ساقطة من ( ن ) .
ديوان المعاني م 2 * 6