الفصل الثاني من الباب التاسع في ذكر البلاغة
قال بعض الحكماء : البلاغة قول تضطر العقول إلى فهمه ، قال الشيخ أبو هلال : يعني قولا واضح المعنى غير مشكل [ 97 ن ] المغزى . وسأل معاوية عمرو ابن العاص : من أبلغ الناس ؟ قال : من اقتصر على الإيجاز وترك الفضول . وليس يصلح الإيجاز في كل مكان ، كما لا تصلح الإطالة في كل أوان بل لكل واحد منهما [ 1 ] حين يحسن فيه ، ومقام يليق به ، إن أزلته عنه لم توفّه حقّه ولم تسلك به طرقه . وقال محمد الأمين عليكم بالإيجاز فإن للإيجاز إفهاما وللإطالة استبهاما ، أي عليكم بالإيجاز فيما كان الإيجاز فيه أحسن وأنجع ، فأما إذا كانت الإطالة أرد وأنفع فليس للإيجاز موقع يحمد ولا حال تعتمد ، والإيجاز بجميع الشعر أليق ، وبجميع الرسائل والخطب . وقد يكون من الرسائل والخطب ما يكون الإيجاز فيه عيّا ، ولا أعرفه إلا بلاغة في جميع الشعر ، لأن سبيل الشعر أن يكون كلامه كالوحي ، ومعانيه كالسحر مع قربها من الفهم ، والذي لا بدّ له منه حسن العرض ووضوح الغرض كقول النابغة الذبياني :
فإنك كالليل الذي هو مدركي « 1 »
وقال الفرزدق :
والشيب ينهض بالشباب كأنّه * ليل يصيح بجانبيه نهار « 2 »
هامش
[ 1 ] منهم في ( م ) و ( ز ) .
( 1 ) صدر ، عجزه وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ، ديوانه 38 وعيون الأخبار 2 / 205 والكامل 2 / 923 والمسائل العضديات 67 والصناعتين 18 ، 242 ، 254 .
( 2 ) طبقات فحول الشعراء 2 / 368 والكامل 1 / 42 وفقه اللغة للثعالبي 438 والصناعتين 260 ، 323 .