قال سيبويه في « باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف » : وأما قول الشاعر « 1 » : ( الوافر )
لقد كذبتك نفسك فاكذبنها * فإن جزعا وإن إجمال صبر
فهذا على إمّا ، وليس على إن الجزاء كقولك : إن حقا ، وإن كذبا . فهذا على إمّا محمول . ألا ترى أنك تدخل الفاء . ولو كانت على إن الجزاء ، وقد استقبلت الكلام لاحتجت إلى الجواب . فليس قوله : فإن جزعا كقوله : إن حقا ، وإن كذبا ، ولكن على قوله « 2 » :
« فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً »
.
وإن قلت : فإن جزع ، وإن إجمال صبر ، كان جائزا ، كأنك قلت : فإمّا أمري جزع ، وإمّا إجمال صبر ؛ لأنك لو صحّحتها ، فقلت : إمّا ، جاز ذلك فيها . ولا يجوز طرح « ما » من « إمّا » إلّا في الشعر .
قال النمر بن تولب :
سقته الرّواعد من صيّف * وإن من خريف فلن يعدما
وإنما يريد : وإمّا من خريف . ومن أجاز ذلك في الكلام دخل عليه أن يقول :
مررت برجل إن صالح ، وإن طالح ، يريد : إمّا . وإن أراد إن الجزاء ، فهو جائز لأنه يضمر فيها الفعل . انتهى كلامه « 3 » .
قال ابن خلف : يعني سيبويه أنّ « إن » في هذا البيت محذوف منها « ما » ، وأصل « إمّا » عنده إن ما ، فجعل الحرفان حرفا واحدا . وإذا اضطرّ شاعر حذف ما من إما .
واستدلّ على أنها ليست بأن التي للشرط ، بأنّ الفاء دخلت على إن في : « فإن جزعا » . فلو كانت للشرط لاحتاجت إلى جواب . وذلك أنّ جواب إن فيما
هامش
( 1 ) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص 68 ؛ والأزهية ص 57 ؛ والدرر ص 102 ؛ وشرح أبيات سيبويه 1 / 209 ؛ والمقاصد النحوية 4 / 148 . وهو بلا نسبة في تذكرة النحاة ص 109 ؛ والجنى الداني ص 212 ، 534 ؛ ورصف المباني ص 102 ؛ وشرح أبيات المغني 1 / 378 ؛ وشرح المفصل 1 / 101 ، 104 ؛ والكتاب 1 / 266 ، 3 / 332 ؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص 129 ؛ والمقتضب 3 / 28 ؛ وهمع الهوامع 2 / 135 .
( 2 ) سورة محمد : 47 / 4 .
( 3 ) الكتاب لسيبويه 1 / 134 - 135 وشرح أبيات المغني للبغدادي 1 / 377 - 378 .