المناسب لتقدير الشارح أولا : إما تجزع جزعا ، أن يقدّره هنا بالخطاب . كما حكاه المرادي .
ونقله عن سيبويه أنّ التقدير عنده « 1 » : إمّا تجزع جزعا ، خلاف الواقع ، كما يعلم من نقلنا كلامه في الموضعين . وإنما قدّر سيبويه إن بإمّا ، فأراد الشارح أن يدرج في نقل هذا أنّ جزعا منصوب بفعل مقدّر ، فقدّر تجزع بالخطاب ، بناء منه على أنّ المصراع الأول خطاب لمذكّر ، بدليل : « فاكذبنها » بنون التوكيد الخفيفة .
وهذا تحريف من النّسّاخ ، وإنما الرواية « فاكذبيها » بالياء ، والكافان مكسورتان ، لأنه خطاب مع امرأته . والمصراع الثاني فيه التفات من خطابها إلى التكلّم ، ولهذا قدّره سيبويه في وجه الرفع بالتكلّم .
قال : وإن قلت : فإن جزع ، وإن إجمال صبر كان جائزا ، كأنّك قلت : فإمّا أمري جزع ، وإما إجمال صبر ، كما تقدّم .
فكان الواجب أن يقدّر على مذهب سيبويه : فإمّا أجزع جزعا ، وإمّا أجمل الصّبر إجمالا . وأن يقدّر على مذهب غيره : فإن أجزع جزعا فأنا معذور ، وإن أجمل الصبر إجمالا فأنا ممدوح .
والرفع في هذا رواية رواها صاحب الأغاني ، والأسود بن محمد الأعرابي .
وينبغي أن نورد الأبيات التي روياها ليتّضح ما ذكرناه ، قالا : قال دريد بن الصمّة يرثي معاوية أخا الخنساء . وقتلته بنو مرّة « 2 » : ( الوافر )
ألا بكرت تلوم بغير قدر * فقد أحفيتني ودخلت ستري
فإن لم تتركي عذلي سفاها * تلمك عليّ نفسك أيّ عصر
أسرّك أن يكون الدّهر سدّى * عليّ بشرّه يغدو ويسري
وإلّا ترزئي نفسا ومالا * يضرّك هلكه في طول عمري
فقد كذبتك نفسك فاكذبيها * فإن جزع وإن إجمال صبر
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " فإن التقدير عنده " . وهو تصحيف صوابه من طبعة هارون 11 / 113 .
وفيها : " يريد البغدادي أن ما نقله الرضي من تقدير سيبويه إما تجزع جزعا ، موضع اعتراض ، لخلافه للواقع " .
( 2 ) الأبيات لدريد بن الصمة الجشمي يرثي فيها معاوية أخا الخنساء في ديوانه ص 68 - 70 ؛ والأغاني 10 / 28 - 29 ؛ وفرحة الأديب ص 168 - 169 .