ولما لم يقف الأعلم على الأبيات ، وسببها ، ظنّ أنه خطاب لمذكر ، فقال - وتبعه ابن خلف - قاله دريد معزّيا لنفسه عن أخيه عبد اللّه بن الصمّة ، وكان قد قتل : لقد كذبتك نفسك ، فيما منّتك به من الاستمتاع بحياة أخيك فاكذبنها « 1 » في كلّ ما تمنّيك به بعد ، فإمّا أن تجزع « 2 » لفقد أخيك ، وذلك لا يجدي عليك شيئا ، وإمّا أن تجمل الصبر « 3 » فذلك أجدى عليك . هذا كلامه . والرواية إنما هي « فقد » إلى آخر ما ذكرنا .
وأنشد العيني البيت بالتذكير ، وروى أوله : « وقد كذبتك » ، وقال : الواو للعطف إن تقدّمه شيء . وعلى هذا النمط شرح البيت .
وإنما قلنا إنّ المصراع الثاني التفات إلى التكلم ، لقول سيبويه في رفعه : أمري جزع . وإلّا فالظاهر أنه من بقيّة الخطاب ، وأنّ تقديره فإمّا تجزعين جزعا وذلك لا فائدة فيه ، وإمّا تجملين الصّبر إجمالا ، وهو أجدى .
وقوله : « فلم يسمع معاوية » فعل وفاعل ، وروي : « فلم أسمع » من الإسماع ، ومعاوية مفعوله .
وقوله : « رأيت مكانه فعطفت زورا » ، أي : لأجل الزيارة . وقوله : « وأيّ مكان زور » استفهام أراد به النفي . و « يا ابن بكر » خطاب لنفسه . وبكر جدّه كما يأتي .
وقوله : « على إرم » متعلق بزور الثاني . و « إرم » بكسر الهمزة وفتح الراء ، وهي حجارة تنصب علما في المفاوز . شبّه أحجار قبره بها .
و « صير » : جمع صيرة بكسر الصاد المهملة ، وهي حظيرة الغنم ، شبّه ما حول قبره بها .
وروي بدله : « وأحجار ثقال » . و « السّلمات » : جمع سلمة ، وهي شجر من أشجار البادية ، تقطع أغصانها ، وتوضع على القبر ، ووصفها بالسّمر ليبسها .
هامش
( 1 ) كذا في النسخة الشنقيطية . وفي طبعة بولاق : " فاكذبيها " . وهو تصحيف . وفي شرح الأعلم :
" فأكذبها " .
( 2 ) في طبعة بولاق : " فإما أن تجزعي " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية وشرح الأعلم .
( 3 ) في طبعة بولاق : " أن تجملي الصبر " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية وشرح الأعلم .