وقد قال ما لا يجوز معه ظنّ هذا به .
ألا تراه ، قال : ولو قلت إن جزع ، وإن إجمال صبر كان جائزا ، كأنك قلت :
فإمّا أمري جزع ، وإمّا إجمال صبر . لأنّك لو صحّحتها فقلت إمّا ، جاز ذلك فيها .
وقال أيضا : إمّا يجري ما بعدها على الابتداء . ففيما قاله في هذين الموضعين إجازة وقوع المبتدأ بعد إمّا . ومن مذهبه الذي لا يدفع أنّ لا يقع الابتداء بعدها ، فكيف يكون عنده أنّ « إمّا » إنما هي « إن » الجزاء ؟ وذلك لا يسوغ .
ألا ترى أنّك تقول : ضربت إمّا زيدا ، وإما عمرا ، وتقول : ذهب إما زيد ، وإمّا عمرو ، فلو كانت « إن » الجزاء لما عمل ما قبلها فيما بعدها ، ولكان ذهب فعلا فارغا لا فاعل له .
فإن قال : يكون انتصاب الاسم بعده بفعل مضمر ، كأنه قيل : ضربت إن ضربت زيدا . فليس هذا الغرض الموضوع لهذا المعنى ، ولا المفهوم من هذا اللفظ .
ألا ترى أنّ المراد إنّما هو ضربت أحدهما . على أنّ ذلك فاسد ، لأنّ ذهب يبقى بلا فاعل ، ولا يجوز أن يضمر . ويدلّ أيضا على فساده قولك : إمّا أن تقوم ، وإمّا أن لا تقوم ، وقوله « 1 » :
« يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً »
.
ألا ترى أنّ هذا لو كان إن فيه « 2 » للجزاء ، لم يجز وقوع المبتدأ بعده ، وللزم أن يجازى بما يجازى به « إن » ، ولم يتقدّم ما يغني عن الجواب . فهذا التوهّم على سيبويه فاسد .
فإن قال : ما أنكرت أن يكون ما ذهبت إليه ، من أنّ « إن » في « إمّا » للشرط ، مذهب سيبويه ، لأنه قد ذكر أنّ « إن » على أربعة أوجه : المخفّفة وليس هذا من مواضعها ، والنافية ، ولا نفي هنا ، وزائدة بعد ما النافية ، فلما لم يجز أن تكون واحدة من الثلاث وجب أن تكون الشرطيّة ، لأنك في « إمّا » لا تبتّ على الشيء كما لا تبتّ في الجزاء ، فلما شابهتها في هذا الموضع ولم تكن واحدة من الثلاث لزم أن تكون إيّاها .
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 18 / 86 .
( 2 ) في طبعة بولاق : " فيه إن " . ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية .