وكلام العرب وقراءة القرّاء « يجرمنّكم » بفتح الياء ، جاء التفسير : ولا يحملنّكم بغض قوم .
قال الفراء : وسمعت العرب تقول : فلان جريمة أهله ، يريدون كاسب لأهله .
وخرج يجرمهم : يكسب لهم ، والمعنى فيهما متقارب ، أي : لا يكسبنّكم بغض قوم أن تفعلوا شرّا ، فأن في موضع نصب .
فإذا جعلت في أن تعتدوا « على » ، ذهبت إلى معنى لا يحملنّكم بغضهم على أن تعتدوا ، فيصحّ طرح على كما تقول : حملتني أن أسوءك ، وعلى أن أسوءك .
انتهى كلامه .
وقد أخذه صاحب الكشاف ، وأوضحه ، قال : جرم يجري مجرى كسب في تعديته إلى مفعول واحد واثنين ، تقول : جرم ذنبا نحو كسبه ، وجرمته ذنبا نحو كسبته إيّاه . ويقال : أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين ، كقولهم : أكسبته ذنبا .
وعليه قراءة عبد اللّه « 1 » : « لا يجرمنّكم » ، بضم الياء ، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين ، والثاني أن تعتدوا ، وأن صدّوكم بفتح الهمزة متعلق بالشنآن بمعنى العلّة « 2 » . والشنآن : شدة البغض . والمعنى : لا يكسبنّكم بغض قوم لأن صدّوكم الاعتداء « 3 » ولا يحملنّكم عليه . انتهى .
وقال أيضا في قوله تعالى « 4 » :
« لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ »
من سورة هود : جرم مثل كسب في تعدّيه إلى مفعول واحد ، وإلى مفعولين . تقول : جرم ذنبا وكسبه ، وجرمته ذنبا ، وكسبته إيّاه « 5 » .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 2 ، 8 .
( 2 ) في حاشية طبعة هارون 10 / 288 : " لم يسجل أبو حيان في تفسيره هذه القراءة ، لكن وردت في معاني الفراء 1 : 299 واللسان ( جرم 359 ) منسوبة إلى يحيى بن وثاب والأعمش ، كما وردت في القراءات الشاذة لابن خالويه 31 منسوبة إلى عبد الله بن مسعود والأعمش أيضا " .
( 3 ) أراد التعليل ، أي : لأن صدوكم .
( 4 ) سورة هود : 11 / 89 .
في طبعة بولاق : " ولا يجرمنكم شقاقي " . والوجه الصحيح حذف الواو كما في النسخة الشنقيطية .
( 5 ) في اللسان ( كسب ) : " وكسبت الرجل خيرا فكسبه ، وأكسبه إياه . والأول أعلى " .