الفراء : وليس قول من قال : حقّ لفزارة الغضب بشيء ، ردّا « 1 » منه على سيبويه والخليل ، لأنّ معناه عندهما : أحقّت فزارة بالغضب .
فأن يغضبوا على تأويلهما مفعول سقط منه حرف الجر ، وهو على قول الفراء مفعول ، لا تقدير فيه لحرف الجر . وكلا التأويلين صحيح ، وجملة « جرمت فزارة » :
صفة لطعنة ، كأنه قال : طعنة جارمة . انتهى .
وكأنه لم يقف على كلام الفراء . وهذا نصه في « تفسيره » عند قوله تعالى « 2 » :
« لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ »
، من سورة هود ، قال قوله : لا جرم أنهم ، كلمة كانت في الأصل ، واللّه أعلم ، بمنزلة لا بدّ أنك قائم ، ولا محالة أنك ذاهب ، فجرت على ذلك ، وكثر استعمالهم إيّاها ، حتى صارت بمنزلة حقا .
ألا ترى أن العرب تقول : لا جرم لآتينّك ، لا جرم لقد أحسنت . وكذلك فسّرها المفسّرون بمعنى الحق ، وأصلها من جرمت ، أي : كسبت الذنب . وليس قول من قال : إنّ جرمت كقولك : حققت أو حققت بشيء ، وإنما لبّس على قائله قول الشاعر :
ولقد طعنت أبا عيينة * . . . البيت
فرفعوا فزارة ، وقالوا : نجعل الفعل لفزارة ، كأنه بمنزلة حقّ ، أو حقّ لها أن تغضب . وفزارة منصوبة في قول الفراء ، أي : جرمتهم الطعنة أن يغضبوا ، أي :
كسبتهم .
وموضع أن مرفوع ، كقول الشاعر : ( الطويل )
أحقّا عباد اللّه جرأة محلق * عليّ وقد أعييت عادا وتبّعا « 3 »
و « محلق » : رجل . انتهى كلامه ، ونقلته من خطّ الخطيب البغدادي المحدّث المشهور .
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " رد " بالرفع . وهو تصحيف صوابه في الاقتضاب ص 313 .
( 2 ) سورة هود : 11 / 22 .
وانظر أيضا معاني القرآن للفراء 2 / 8 - 9 .
( 3 ) البيت بلا نسبة في معاني القرآن للفراء 1 / 457 . وفيه جاء " عادا " مصروفا ، لكن في معاني القرآن 2 / 9 ، 19 جاء " عاد " ممنوعا من الصرف .