فجرم عند الفراء اسم ، وعند سيبويه فعل ماض . وليس ما ردّه الفراء موجودا في كلام سيبويه ، حتى يكون ردّا على كلام سيبويه والخليل ، وإنما هو ردّ على من قاله غير سيبويه ، كأبي عمرو بن العلاء ، وأبي زيد ، ويونس ، وأضرابهم .
ويؤيّده أنّ الشريف المرتضى نقل كلام الفراء وما ردّه في « أماليه » ، ولم يجر لسيبويه ذكرا . قال : فأمّا قوله لا جرم فقال قوم : معنى جرم كسب .
وقالوا في قوله تعالى « 1 » :
« لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ »
إنّ « لا » ردّ على الكفار ، ثم ابتدأ ، فقال : جرم أنّ لهم النار ، بمعنى كسب قولهم أن لهم النار .
وقول الشاعر « 2 » : ( الوافر )
نصبنا رأسه في رأس جذع * بما جرمت يداه وما اعتدينا
أي : بما كسبت . وقال آخرون : معنى جرم حقّ ، وتأولوا الآية بمعنى حقّق قولهم أنّ لهم النار .
وأنشدوا :
* ولقد طعنت أبا عيينة طعنة *
البيت أراد : حقّقت فزارة . وروى الفراء : « فزارة » بالنصب ، على معنى كسبت الطعنة فزارة الغضب .
وقال « 3 » الفراء : لا جرم في الأصل مثل لا بدّ ولا محالة ، ثم استعملته العرب « 4 » في معنى حقا ، وجاءت فيه بجواب الأيمان « 5 » . انتهى .
وقد نقل الجوهري كلام الفراء بعينه في « الصحاح » . والعجب من ابن برّيّ في قوله ، تبعا لابن السيد : هذا ردّ على الخليل وسيبويه ، لأنهما قدّراه أحقّت فزارة الغضب ، أي : بالغضب ، فأسقط الباء .
هامش
( 1 ) سورة النحل : 16 / 62 .
( 2 ) البيت لأسماء بن الضرير في أمالي المرتضى 1 / 110 .
( 3 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " فقال " . وهو تصحيف صوابه من أمالي المرتضى .
( 4 ) في طبعة بولاق : " استعمله العرب " . ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية وأمالي المرتضى .
( 5 ) بعده في أمالي المرتضى : " فقالوا : لا جرم لأقومن " .