وقد ردّ عليه الجار برديّ في « رسالة ألّفها على مسألة الكحل » ، قال : كلا الوجهين فاسد .
أما الأوّل فلأنّ التفضيل إنّما يفوت لو لزم تقدير فعل ناصب للمفعول ، إذ لا يكون لاسم التفضيل تعلّق معنوي بذلك المنصوب ، لكنّه ممنوع لجواز أن يكون أضرب متعلقا بالقوانس من حيث المعنى ، مع أن يكون انتصابها بفعل مقدّر . وإذن تعلّق به معنى يحصّل مراد الشاعر وهو التفضيل .
وقال المصنف في « أماليه » في قولنا مررت بزيد قائما : إنّ العامل في زيد في اللفظ هو الباء ، ومن حيث المعنى هو مررت ، وفي قائما بالعكس . يعني أنّ الفاعل فيه من حيث المعنى هو الباء ، ومن حيث اللفظ هو مررت . هذا كلامه .
فأقول : لا يبعد فيما نحن فيه أيضا أن يكون نضرب عاملا لفظا في القوانس ، ويكون لأضرب تعلّق بها من حيث المعنى ، فحينئذ يتم ما ذكرنا .
وأما الوجه الثاني فلأنّ الدالّ على عامل مقدّر لا يلزم أن يكون مما يعمل عمل ذلك العامل .
ألا ترى أنّ الدال على العامل المقدّر في قولنا : زيد مررت به هو مررت ، مع أنّه لا ينصب زيدا . ونظائره كثيرة .
فإن قلت : مررت مع الباء يصحّ أن ينصب زيدا ، فلذلك يدلّ على الناصب المقدّر . قلت : فكذا أضرب فيما نحن فيه مع اللام المقدّرة يصحّ أن تنصب القوانس ، لأنّكم ذهبتم إلى أنّ القوانس تعلّق بأضرب تعلّق المضروب به ، وإذا صحّ أن يكون ناصبا لها مع اللام صحّ أن يكون دالا على عاملها .
وإذا ثبت فساد الوجهين فلا يكون التقدير الثاني أولى من التقدير الأوّل ، بل الأمر بالعكس ؛ لأنّ تقدير الفعل أكثر من تقدير حرف الجر .
وأيضا التفصيل الذي ذكره للخوافض الثلاث مخالف لما يفهم من كلام المحقّقين على ما لا يخفى على الأذكياء . انتهى كلام الجاربردي .
وأقول : لم يبيّن الفساد الذي ادّعاه على وجهين من تقدير اللام ، وغاية ما أورده تصحيح تقدير الفعل على زعمه . فتأمل وأنصف . واللّه تعالى أعلم .
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب — صفحة 322
مساهمون: البغدادي
ص٣٢٢