624 - في سعي دنيا طالما قد مدّت
على أنّ « دنيا » قد جرّدت من اللام والإضافة لكونها بمعنى العاجلة .
يريد أنّ الاسمية غلبت عليها لكثرة استعمالها ، ولهذا لم تجر على موصوف غالبا ، كما غلبت الاسمية على نحو الأجرع والأبطح .
قال ابن يعيش : القياس في « دنيا » أن يكون بالألف واللام ، لأنّه صفة في الأصل على أنه فعلى ومذكره الأدنى ، مثل الأكبر والكبرى . وهو من دنوت ، فقلبت الواو في الأدنى ألفا لتحرّكها ، وانفتاح ما قبلها ، وذلك بعد أن قلبت ياء لوقوعها رابعة .
وقد تقدّم أنّ الألف واللام تلزم هذه الصفة ، إلّا أنهم استعملوا « دنيا » استعمال الأسماء ، فلا يكادون يذكرون معه الموصوف ، ولذلك قلبوا اللام منه ياء لضرب من التعادل والعوض « 1 » ، كأنّهم أرادوا بذلك الفرق بين الاسم والصفة « 2 » ، فلمّا غلب عليها حكم الأسماء أجروها مجرى الأسماء . وكانت الألف واللام لا تلزم الأسماء فاستعملوها بغير ألف ولام ، كسائر الأسماء . انتهى .
وأورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى « 3 » :
« إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ »
من سورة طه . قال : إنّ تنكير ساحر مع كونه معلوما معيّنا لأجل تنكير المضاف ، وهو كيد ، كما نكّر الشاعر دنيا ، لأجل تنكير سعي .
والمراد كيد سحريّ وسعي دنيويّ . ولو عرّف السحر والدّنيا ، لصار الكيد والسعي معرفتين ، والمراد تنكيرهما ، إذ الغرض كيد ما ، وسعي ما .
وقال أبو حيان : البيت محمول على الضرورة ، إذ « دنيا » تأنيث الأدنى ، لا يستعمل إلّا بالألف واللام أو بالإضافة .
هامش
( 1 ) أي لئلا يجتمع ثقل الضمة في أول الكلمة والواو في آخرها ، فقلبت الواو ياء ليتحقق التعادل والخفة .
( 2 ) في حاشية طبعة هارون 8 / 296 : " أي إنهم إنما أجروا التعديل في الاسم لأنه أسبق من الصفة وأولى بالتعديل والتخفيف فقلبت واوه ياء في نحو : الدنيا والعليا والقصيا . وأما الصفة التي على فعلى بالضم ، فقد بقيت على ثقلها ، بضم أولها وبالواو في آخرها ، وذلك نحو : الغزوى والقصوى . وانظر شرح الشافية 3 : 177 - 179 " .
( 3 ) سورة طه : 20 / 69 .