وقوله : « لو عدّ قبر وقبر » إلخ ، قال ابن جنّي في « إعراب الحماسة » : لم يرد لو عدّ قبران اثنان ، وإنّما أراد لو عدّت القبور قبرا قبرا . ولو قال : عدّ قبر قبر فرفع لم يجز ذلك ، كما جاز لو عدّت القبور قبرا قبرا . وذلك أنّ هذا من مواضع العطف ، فحذف حرفه لضرب من الاتّساع .
وهذا الاتساع خاصّة إنما جاء في الحال ، نحو : فصّلت حسابه بابا بابا ، ودخلوا رجلا رجلا ، أي : متتابعين . ولو رفعت ، فقلت : فصّل حسابه باب باب ، وأدخلوا رجل رجل على البدل لم يجز .
وعلى هذا قالوا : هو جاري بيت بيت ، ولقيته كفّة كفّة « 1 » ، فاتّسعوا بالبناء على الحال . ونحوها في ذلك الظرف ، نحو قولك : كان يأتينا يوم يوم ، وليلة ليلة ، وأزمان أزمان ، وصباح مساء .
فلو خرجت به عن الظرفيّة لم يجز فيه هذا البناء . ألا تراك تقول : هو يأتينا كلّ صباح مساء ، في ليلة ليلة ، فتعرب البتّة . انتهى .
وقال الطّبرسيّ : يريد لو عدّت القبور قبرا قبرا ، إلّا أنّه اقتصر ، وحذف القبور ، وجعل القبر فاعلا « 2 » ، وأزاله عن سنن الحال . وقيل : معناه : لو عدّ قبري ، وقبر الداخل قبلي لكنت أكرم منه ميتا . انتهى .
والذام « 3 » : لغة في الذّمّ بتشديد الميم .
وقوله : « فقد جعلت إذا » إلخ ، هو بالتكلّم . قال الطبرسيّ : أي : طفقت وأقبلت ، إذا نزلت حاجتي بباب دارك ، يريد إذا ألجأتني إليك حاجة أدلوها ، أي :
أتنجّرها بغيري « 4 » ، واستشفعت أقواما في قضائها ، ولم أقربك بنفسي . انتهى .
هامش
( 1 ) انظر سيبويه 3 / 304 . وفي اللسان ( كفف ) : " وقولهم : لقيته كفّة كفّة ، بفتح الكاف ، أي كفاحا ، وذلك إذا استقبلته مواجهة ، وهما اسمان جعلا واحدا وبنيا على الفتح مثل خمسة عشر " .
( 2 ) في حاشية طبعة بولاق : " قوله فاعلا يريد نائب فاعل . اه " .
وفي حاشية النسخة الشنقيطية : " هكذا بخط المؤلف ، والصواب نائب فاعل " .
وفي حاشية طبعة هارون 7 / 475 : " والحق أن تجوز في التعبير بالفاعل عن نائبه
( 3 ) في المراثي ص 313 : " الذام والذيم ، والعاب والعيب واحد ، وهو ما يذم به الرجل ويعاب " .
( 4 ) في النسخة الشنقيطية : " أي أنجزها بغيري " .
والتنجز : طلب إنجاز العدة أو الحاجة .