والعجب من ابن يعيش فإنّه وجّه منع الصرف في « اصمت » بما ذكرنا مع القول بالنقل . وكونه علم جنس أظهر من كونه علم شخص لبقعة معيّنة ، كما هو ظاهر من استعمالهم : والصحيح أنّ العلم إنّما هو اصمت وإصمتة ، لا مجموع وحش اصمت ووحش إصمتة ، بدليل أنّه يقال : بلد اصمت ، وصحراء اصمت وغير ذلك ، ولم يقل أحد بعلمية المجموع فيه ، وما يضاف إليهما من وحش وبلد وبلدة وصحراء أيضا ، كما نقله صاحب القاموس ، إضافته للتخصيص .
وقد يجمع اصمت على إصمتين شذوذا ، كأنّهم سمّوا كلّ قطعة منها بإصمت ، إن كان اصمت علم قفر بعينه . وإن كان علم جنس فواضح . وقد رأيته في شعر أمية ابن أبي الصّلت ، قال من قصيدة « 1 » : ( الوافر )
وترذى النّاب والجمعاء فيه * بوحش الإصمتين له ذباب
قال شارح ديوانه : « ترذى » من الرّذيّة ، أي : تترك ، وقد أرذيت فهي مرذاة .
و « الناب » : الناقة المسنّة . و « الجمعاء » « 2 » : الذاهبة الأسنان . و « الإصمتين » :
مكان ليس فيه أحد .
وهو مثل للعرب ، يقال : تركت فلانا بوحش الإصمتين . وله ذباب ذباب الحمار « 3 » . انتهى .
واعلم أنّ ابن المستوفي استشكل كون « اصمت » منقولا من الفعل دون ضميره ، وقال : قول النّحاة إنّ اصمت منقول من فعل الأمر مجردا من الضمير ، فيه نظر ، لأنّه جمع بين نقيضين ، وذلك أنّهم إنما سمّوا به بعد الأمر للمواجهة ، فلا بدّ من الضمير فيه .
وإذا كان كذلك فهو من باب المسمّى بالجملة المركبة من الفعل والفاعل . اللهمّ إلّا أن يكونوا نزعوه بعد التسمية تحكّما منهم . انتهى .
هامش
( 1 ) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 19 .
وفي النسخة الشنقيطية وطبعة هارون : " الجعماء " . ولقد أثبتنا رواية طبعة بولاق وديوانه .
( 2 ) في النسخة الشنقيطية وطبعة هارون : " الجعماء " .
الجمعاء : الناقة الهرمة المسنة - والجعماء : الناقة المسنة ، أو التي غابت أسنانها في اللثات .
( 3 ) في النسخة الشنقيطية : " وله ذباب الحمار " .