وهذا ونحوه ممّا ذهب إليه أبو عمرو بن العلاء في قول الهذلي « 1 » : ( المتقارب )
على أطرقا باليات الخيا * م إلّا الثّمام وإلّا العصيّ
ألا تراه ، قال : إنّ أصله أنّ رجلا قال لصاحبه هناك : أطرقا ، فسمّي المكان به ، فصار علما له ، كما صار « اصمت » علما له . وقطع الهمزة من اصمت مع التسمية به خاليا من ضميره ، هو الذي شجّع النحاة على قطع هذه الهمزات إذا سمّي بما هي فيه .
فإن قيل : فقد قالوا : لقيته بوحش إصمتة ، ولو كان اصمت في الأصل فعلا ، لما لحقته تاء التأنيث ؟ قيل : إنّما لحقت هذه التاء في هذا المثال على هذا الحدّ ، ليزيدوا في إيضاح ما انتحوه من النقل ، ويعلموا بذلك أنّه قد فارقوا موضعه من الفعلية ، من حيث كانت هذه التاء لا تلحق هذا المثال فعلا ، فصارت إصمتة في اللفظ كإجردة وإبردة « 2 » . نعم وآنسهم بذلك تأنيث المسمّى به ، وهو الفلاة .
انتهى .
وقال الزمخشري في « أمثاله » « 3 » : لقيته بوحش اصمت : المكان الوحش :
الموحش ، وهو الخالي من الإنس . واصمت علم للفلاة القفر ، سمّيت بذلك لأنه لا أنيس بها فينطقوا ، أو لأنّها لشدّتها تصمت سالكها .
والدّليل تشتبه عليه طرقها فلا يتكلّم ، لأنه لا يتّضح له الهدى فيها . ومانعها من الصرف التعريف ووزن الفعل ، لأنه بزنة اضرب ، وهي مجرورة الموضع بإضافة وحش إليها . وقيل : اسم بلدة بعينها .
ويروى : « ببلدة اصمت » . ويقال : تركتني ببلدة إصمتة وبلد اصمت .
يضرب للرجل الذي لا ناصر له ولا مانع . انتهى .
هامش
( 1 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في ديوانه ص 13 ؛ وديوان الهذليين 1 / 65 ؛ وشرح أشعار الهذليين 1 / 100 ؛ وشرح المفصل 1 / 31 ؛ ولسان العرب ( طرق ) ؛ ومعجم ما استعجم 1 / 167 ؛ والمقاصد النحوية 1 / 397 ؛ وللهذلي في شرح المفصل 1 / 29 . وهو بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص 333 ؛ وشرح الأشموني 1 / 60 .
( 2 ) الإجرد : نبت يدل على الكمأة ، واحدته إجردة ؛ والإبردة - بتخفيف الدال - : برد في الجوف . ويجد الرجل بالغداة البرد ، فيقول : إنما هي إبردة الثرى ، وغبردة الندى . انظر اللسان ( برد ، جرد ) .
( 3 ) المثل في العقد الفريد 3 / 135 ؛ وكتاب الأمثال ص 377 ؛ وكتاب الأمثال لمجهول ص 94 ؛ ولسان العرب ( وحش ) ؛ والمستقصى 2 / 286 ؛ ومجمع الأمثال 2 / 184 .