جموعه فانفلّوا « 1 » وملّكوا بعده عليهم ابنته الزبّاء ، وكانت من أحزم النساء « 2 » ، فخافت أن يغزوها ملوك العرب ، فاتّخذت لنفسها نفقا في حصن كان لها على شاطئ الفرات ، وسكرت الفرات « 3 » في وقت قلّة الماء ، وبنت في بطنه أزجا من الآجرّ والكلس ، متّصلا بذلك النفق ، وجعلت نفقا آخر في البرّيّة متّصلا بمدينة أختها ، ثم أجرت الماء عليه ، فكانت إذا خافت عدوّا دخلت النّفق .
فلمّا استجمع لها أمرها [ واستحكم ملكها ] أرادت أن تغزو جذيمة ثائرة بأبيها ، فقالت لها أختها ، وكانت ذات رأي وحزم : الرّأي « 4 » ابعثي إليه فأعلميه ، أنّك قد رغبت في أن تتزوّجيه ، وتجمعي ملكك إلى ملكه ، وسليه أن يجيبك ، فإن اغترّ ظفرت به بلا مخاطرة .
فكتبت إليه بذلك ، فاستخفّه الطمع ، وشاور أصحابه فكلّ صوّب رأيه في قصدها وإجابتها ، إلّا قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن هلال بن نمارة ابن لخم ، فقال : هذا رأي فاتر ، وغدر حاضر ، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك ، وإلّا فلا تملّكها من نفسك « 5 » .
فلم يوافق جذيمة قوله « 6 » ورحل إليها ، فلمّا دخل عليها أمرت بقطع رواهشه « 7 » ، ونزف دمه إلى أن مات .
فخرج قصير إلى عمرو بن عدي ، ابن أخت جذيمة ، فقال : هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب بدم خالك ؟ فجعل ذلك له ، فأتى القادة والأعلام ، فقال : أنتم القادة والرؤساء ، وعندنا الأموال والكنوز .
فانصرف إليه منهم بشر كثير ، وملّكوا عمرو بن عدي ، فقال قصير : انظر ما وعدتني به في الزباء .
هامش
( 1 ) وكذا في الأغاني أيضا . وانفلوا : انهزموا وانكسروا .
( 2 ) في الأغاني : " من أحزم الناس " .
( 3 ) سكر النهر سكرا : سدّه ، وكل سدّ سدّ ، فقد سكر .
( 4 ) كذا في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية . أما في الأغاني 15 / 316 فالعبارة مسهبة .
( 5 ) في الأغاني : " وإلا فلا تمكنها من نفسك ، فتقع في حبالها ، وقد وترتها في أبيها " .
( 6 ) في الأغاني : " قوله ، وقال له : أنت امرؤ رأيك في الكن لا في الضّح " .
( 7 ) الرواهش : عروق في باطن الذراع .