قال : وكيف ، وهي أمنع من عقاب الجوّ ؟ ! فقال : إذا أبيت فإنّي جادع أنفي وأذني ، ومحتال لقتلها ، فأعنّي وخلاك ذمّ . فقال له عمرو : أنت أبصر . فجدع قصير أنفه ، ثم انطلق ، حتّى دخل على الزبّاء ، فقال : أنا قصير ، لا وربّ البشر ما كان على ظهر الأرض أحد كان أنصح لجذيمة منّي ولا أغشّ لك ، حتّى جدع عمرو ابن عديّ أنفي وأذني ، فعرفت أنّي لم أكن مع أحد أثقل عليه منك .
فقالت : أي قصير ، نقبل ذلك منك ونصرفك في بضاعتنا « 1 » . فأعطته مالا للتجارة ، فأتى بيت مال الحيرة ، فأخذ ممّا فيه بأمر عمرو بن عدي ما ظنّ أنّه يرضيها ، وانصرف إليها به .
فلمّا رأت ما جاء به ، فرحت به ، وزادته ، ولم يزل بها حتّى أنست به ، فقال لها يوما : إنّه ليس من ملكة ولا ملك ، إلّا وينبغي لها أن تتّخذ نفقا تهرب إليه عند حدوث حادثة .
فقالت : إنّي قد فعلت ذلك ، تحت سريري هذا ، يخرج إلى نفق تحت سرير أختي . وأرته إيّاه . فأظهر سرورا بذلك ، وخرج في تجارته كما كان يفعل ، وعرف عمرو بن عديّ ما فعله ، فركب عمرو في ألفي دارع على ألف بعير في جوالق ، حتّى إذا صاروا إليها تقدّم قصير ودخل على الزبّاء ، فقال : اصعدي حائط مدينتك ، فانظري إلى مالك ، فإنّي قد جئت بمال صامت .
وقد كانت أمنته فلم تكن تتّهمه ، فلما نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت - وقيل إنّه مصنوع منسوب إليها - « 2 » : ( الرجز )
ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا
هامش
( 1 ) في الأغاني 15 / 319 : " ونصّر لك في بضاعتنا " .
( 2 ) هو الإنشاد الثالث عشر بعد الثمانمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي .
والرجز للزباء في أدب الكاتب ص 200 ؛ والأغاني 15 / 320 ؛ وأوضح المسالك 2 / 86 ؛ وتاج العروس ( وأد ، صرف ) ؛ وجمهرة اللغة ص 742 ، 1237 ؛ والدرر 2 / 281 ؛ وشرح أبيات المغني 7 / 216 ؛ وشرح الأشموني 1 / 169 ؛ وشرح التصريح 1 / 271 ؛ وشرح شواهد المغني 2 / 912 ؛ وشرح عمدة الحافظ ص 179 ؛ ولسان العرب ( وأد ، صرف ، زهق ) ؛ ومغني اللبيب 2 / 581 ؛ والمقاصد النحوية 2 / 448 ؛ وللزباء أو للخنساء في المقاصد النحوية 2 / 448 . وهو بلا نسبة في أساس البلاغة ( وأد ) ؛ وكتاب العين 7 / 111 ؛ ومقاييس اللغة 6 / 78 ؛ وهمع الهوامع 1 / 159 .