فلو ضمّنته معناه لكان بمنزلة إثباته ، ولو أثبتّه لم يكن عدلا . فإذا كان كذلك لم يجز أن يتضمّنه ، وإذا لم يتضمّنه ، لم يجز أن يبنى كما بنى أمس .
والضرب الثالث : أن تحذف الحرف في اللفظ ، ويكون مرادا فيه . وإنّما تحذفه من اللفظ اختصارا واستخفافا . فهذا يجري مجرى الثبات . فمن هذا القسم الحذف في جميع الظروف ، حذفت اختصارا ، لأنّ في ذكرك الأسماء التي هي ظروف دلالة على إرادتها .
ألا ترى أنك إذا قلت : جلست خلفك وقدمت اليوم ، علم أنّ هذا لا يكون شيئا من أقسام المفعولات إلّا الظرف .
فلما كان كذلك كان حذفها بمنزلة إثباتها ، لقيام الدّلالة عليها . فإذا كنيت رددت في التي كانت محذوفة للاختصار ، وللدلالة القائمة عليها ، لأنّ الضمير لا يتميّز ولا ينفصل كما كان ذلك في المظهر .
ألا ترى أنّ الهاء في كناية الظرف كالهاء في كناية المفعول به . فإذا رددت الحرف الذي كنت حذفته فوصلته به دلّ على أنّه من بين المفعولات ظرف . فقد علمت بردّك له في الإضمار أنّك لم تضمّن الاسم معنى الحرف فتبنيه ، وأنّه مراد في حال الحذف ، لأنّ في ظهور الاسم دلالة عليه ، فحذفته لذلك .
فهذا يشبه قولهم : اللّه لأفعلنّ ، في أنّهم مع حذفهم ذلك يجري عندهم مجرى غير المحذوف ، إلّا أنّه لما حذف في الظرف واستغني عنه وصل الفعل إليه فانتصب .
والجارّ إذا حذفوه على هذا الحدّ الذي ذكرته لك من أنّ الدلالة قائمة على حذفه ، يجري على ضربين :
أحدهما : أن يوصل الفعل كباب الظروف ، واخترت الرجال زيدا .
والآخر : أن يوصل الفعل ، ولكن يكون الحرف كالمثبت في اللفظ ، فيجرّون به كما يجرّون به وهو مثبت ، وذلك قولهم : اللّه ، وكما قام لنا من الدلالة على حذفهم له في « وبلد « 1 » » ، وكما ذهب إليه سيبويه في : ( المتقارب )
هامش
( 1 ) في حاشية طبعة هارون 7 / 180 : " إشارة إلى ما أنشده سيبويه في 1 : 465 ( 3 : 628 من نسختي ) من قول الراجز :* وبلد تحسبه مكسوحا *