الطّائي . فأجاب المتنبّي : الشعر جادّة ، وربّما وقع حافر على حافر !
وكان المتنبّي يحفظ ديواني الطائيّين ، ويستصحبهما في أسفاره ويجحدهما ، فلما قتل توزّعت دفاتره ؛ فوقع ديوان البحتريّ إلى بعض من درس عليّ ، وذكر أنه رأى خطّ المتنبّي وتصحيحه فيه .
وسمعت من قال : إنّ كافورا لما سمع قوله : ( الطويل )
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية * فجودك يكسوني وشغلك يسلب
يلتمس ولاية صيداء . فأجابه : لست أجسر على توليتك صيداء ، لأنك على ما أنت عليه : تحدّث نفسك بما تحدّث ؛ فإن ولّيتك صيداء ، فمن يطيقك ؟ !
وسمعت أنه قيل للمتنبي : قولك لكافور : ( الخفيف )
فارم بي حيثما أردت فإنّي * أسد القلب آدميّ الرّواء
وفؤادي من الملوك ، وإن كا * ن لساني يرى من الشّعراء
ليس قول ممتدح ولا منتجع ، إنّما هو قول مضادّ ! فأجاب المتنبي إلى أن قال :
هذه القلوب ، كما سمعت أحدها يقول : ( الطويل )
يقرّ بعيني أن أرى قصد القنا * وصرعى رجال في وغى أنا حاضره
وأحدها يقول « 1 » : ( الطويل )
يقرّ بعيني أن أرى من مكانها * ذرا عقدات الأجرع المتقاود
ثم أقام المتنبي عند سيف الدولة على التكرمة البليغة : في إسناء الجائزة ، ورفع المنزلة . ودخل مع سيف الدولة بلاد الروم ، وتأصّل حالا « 2 » في جنبته بعد أن كان حويلة . وكان سيف الدولة يستحبّ الاستكثار من شعره والمتنبي يستقلّه ؛ وكان ملقّى من هذه الحال ، يشكوها أبدا ، وبها فارقه حيث أنشده : ( البسيط )
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره * إذا استوت عنده الأنوار والظّلم
هامش
( 1 ) مطلع أبيات ثلاثة هي في الكامل منسوبة لنبهان بن علي العبشمي 1 / 31 ؛ وفي أمالي القالي 1 / 63 منسوبة إلى أعرابي .
( 2 ) كذا في طبعة بولاق . وفي النسخة الشنقيطية : " وتأثل حالا " . قال الميمني في حاشية الطبعة السلفية : " وتأثل مالا " أشهر .