تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
هذا الباب ، وإنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط الأحكام الشرعية ، وكذا ما يتوقّف عليه من نقل مفردات الألفاظ وقوانين الإعراب ، فالظن في ذلك كلّه كاف . ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك المنقول المحتجّ به لم يبدّل ، لأن الأصل عدم التبديل ، لا سيما والتشديد في الضبط ، والتحري في نقل الأحاديث ، شائع بين النّقلة والمحدّثين . ومن يقول منهم بجواز النقل بالمعنى فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي لا ينافي وقوع نقيضه ، فلذلك تراهم يتحرّون في الضبط ويتشدّدون ، مع قولهم بجواز النقل بالمعنى ؛ فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدّل ، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحا ، فيلغى ولا يقدح في صحة الاستدلال بها . ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يدوّن ولا كتب ، وأما ما دوّن وحصّل في بطون الكتب فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم . قال ابن الصلاح بعد أن ذكر اختلافهم في نقل الحديث بالمعنى : « إنّ هذا الخلاف لا نراه جاريا ولا أجراه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب ، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنّف ويثبت فيه لفظا آخر » ا . ه . وتدوين الأحاديث والأخبار بل وكثير من المرويات ، وقع في الصّدر الأول قبل فساد اللغة العربية ، حين كان كلام أولئك المبدّلين على تقدير تبديلهم يسوغ الاحتجاج به ، وغايته يومئذ تبديل لفظ بلفظ « 1 » يصح الاحتجاج به ، فلا فرق بين الجميع في صحة الاستدلال ؛ ثم دوّن ذلك المبدل - على تقدير التبديل - ومنع من تغييره ونقله بالمعنى ، كما قال ابن الصلاح ، فبقي حجّة في بابه . ولا يضرّ توهم ذلك السابق في شيء من استدلالهم المتأخر ، والله أعلم بالصّواب » ا . ه كلام الدماميني . وعلم مما ذكرنا - من تبيين الطبقات التي يصحّ الاحتجاج بكلامها - أنه لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله ، صرح بذلك ابن الأنباري في كتاب « الإنصاف في مسائل الخلاف » ؛ وعلة ذلك مخافة أن يكون ذلك الكلام مصنوعا ، أو لمولّد ، أو لمن لا يوثق بكلامه . ولهذا اجتهدنا في تخريج أبيات الشرح ، وفحصنا عن قائليها ، حتّى عزونا كل بيت إلى قائله - إن أمكننا ذلك - ونسبناه إلى قبيلته أو فصيلته ، وميّزنا الإسلاميّ عن الجاهليّ ، والصحابيّ عن التابعيّ ، وهلمّ جرّا ، وضممنا إلى البيت ما يتوقف عليه
هامش
( 1 ) في النسخة الشنقيطية سقطت كلمة : « بلفظ » .