سلف ، مع أنّ فيها أبياتا عديدة جهل قائلوها ، وما عيّب بها ناقلوها . وقد خرج كتابه إلى الناس والعلماء كثير ، والعناية بالعلم وتهذيبه وكيدة ، ونظر فيه وفتّش ، فما طعن أحد من المتقدمين عليه ولا ادّعى أنّه أتى بشعر منكر . وقد روى في كتابه قطعة من اللغة غريبة لم يدرك أهل اللّغة معرفة جميع ما فيها ، ولا ردّوا حرفا منها .
قال الجرمي : « نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتا ، فأمّا الألف فقد عرفت أسماء قائليها فأثبتّها ، وأمّا الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها » « 1 » .
فاعترف بعجزه ولم يطعن عليه بشيء .
وقد روي هذا الكلام لأبي عثمان المازنيّ أيضا .
ولكون أبياته أصحّ الشواهد ، التزمنا في هذا الشرح أن ننصّ على ما وجد فيه منها بيتا بيتا ، ونميّزها عن غيرها ، ليرتفع شأنها ويظهر رجحانها . وربّما روي البيت الواحد من أبياته أو غيرها على أوجه مختلفة ، ربّما لا يكون موضع الشاهد في بعضها أو جميعها ، ولا ضير في ذلك ، لأنّ العرب كان بعضهم ينشد شعره للآخر فيرويه على مقتضى لغته التي فطره الله عليها ، وبسببه تكثر الروايات في بعض الأبيات ، فلا يوجب ذلك قدحا فيه ولا غضّا منه . فإذا وقع في هذا الشرح من ذلك شيء نبّهنا عليه .
والتزمنا في شرح هذه الشواهد عدّها واحدا بعد واحد ، ليسهل موضع الحوالة فيه ، ويزول التّعب عن متعاطيه .
هامش
( 1 ) في حاشيتي طبعتي السلفية وهارون ما نصه : « كتب المغفور له أحمد تيمور باشا على هامش الخزانة ؛ في هذا الموضع ما نصه :
« ذكر شيخنا العلامة محمد محمود الشنقيطي رحمه الله في كتابه الحماسة السنية ، أن واحدا منها عرف اسم قائله ، وهو :* أفبعد كندة تمدحنّ قبيلا *قال : وصدره :* قالت فطيمة حلّ شعرك مدحه *وهو لامرىء القيس من قصيدة عدتها ثمانية عشر بيتا نادرة الوجود ، أوردها كلها في الحماسة المذكورة » .
والبيت من قصيدة هي في ديوان امرئ القيس ص 358 .
حلّ ، أراد بها حلىء ؛ والمحلأ : المطرود عن الماء .
يريد : حلّ شعرك عن المديح ؛ أي : كفّ واعدل .