وردّ الثاني بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به ، والصواب جواز الاحتجاج بالحديث للنحويّ في ضبط ألفاظه . ويلحق به ما روي عن الصحابة وأهل البيت ، كما صنع الشارح المحقق .
وإن شئت تفصيل ما قيل في المنع والجواز ، فاستمع لما ألقيه بإطناب دون إيجاز :
قال أبو الحسن بن الضائع في « شرح الجمل » : « تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة - كسيبويه وغيره - الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث ، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب ، ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه أفصح العرب . قال : وابن خروف يستشهد بالحديث كثيرا ، فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمرويّ فحسن ، وإن كان يرى أن من قبله أغفل شيئا وجب عليه استدراكه فليس كما رأى » ا . ه .
وقال أبو حيان في شرح « التسهيل » « 1 » : « قد أكثر [ هذا ] المصنف « 2 » من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب . وما رأيت أحدا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره . على أن الواضعين الأوّلين لعلم النحو ، المستقرئين للأحكام من لسان العرب - كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل وسيبويه من أئمة البصريين ، والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من أئمة الكوفين - لم يفعلوا ذلك ، وتبعهم على ذلك المسلك المتأخرون من الفريقين ، وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد وأهل الأندلس . وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال : إنما ترك « 3 » العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية . وإنما كان ذلك لأمرين :
أحدهما أن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى ، فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم لم تقل بتلك الألفاظ جميعها : نحو ما روي من قوله : « زوّجتكها بما
هامش
( 1 ) نقل السيوطي في كتابه الاقتراح ص 19 ؛ قول أبي حيان هذا .
( 2 ) في حاشية الطبعة السلفية 1 / 24 : « في الاقتراح ( نسختنا المخطوطة ) : هذا الرجل . وفي المطبوعة ص 19 :
هذا المصنف » .
( 3 ) في طبعتي بولاق والسلفية : « إنما ذكر العلماء . . . » وفي طبعة هارون : « إنما ترك العلماء . . . » . نقلا عن كتاب الاقتراح ص 20 .