وجعل الطبقات بعضهم ستّا ، وقال : الرابعة المولدون ، وهم من بعد المتقدمين كمن ذكر ، والخامسة المحدثون ، وهم من بعدهم كأبي تمام والبحتريّ ، والسادسة المتأخرون ، وهم من بعدهم كأبي الطيب المتنبي « 1 » .
والجيد هو الأول ، إذ ما بعد المتقدمين لا يجوز الاستدلال بكلامهم ، فهم طبقة واحدة ، ولا فائدة في تقسيمهم .
وأما قائل الثاني « 2 » فهو إما ربنا تبارك وتعالى ، فكلامه - عزّ اسمه - أفصح كلام وأبلغه ، ويجوز الاستشهاد بمتواتره وشاذّه ، كما بيّنه ابن جنّي في أول كتابه « المحتسب » وأجاد القول فيه ؛ وإما بعض إحدى الطبقات الثلاث الأول من طبقات الشعراء التي قدمناها .
وأما الاستدلال بحديث النبي صلى الله عليه وسلم فقد جوّزه ابن مالك وتبعه الشارح المحقق في ذلك ، وزاد عليه بالاحتجاج بكلام أهل البيت رضي الله عنهم .
وقد منعه ابن الضائع وأبو حيان ، وسندهما أمران :
أحدهما أن الأحاديث لم تنقل كما سمعت من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما رويت بالمعنى « 3 » .
وثانيهما أن أئمة النحو المتقدمين من المصرين لم يحتجّوا بشيء منه .
وردّ الأول - على تقدير تسليمه - بأنّ النقل بالمعنى إنما كان في الصّدر الأول قبل تدوينه في الكتب ، وقبل فساد اللغة ، وغايته تبديل لفظ بلفظ . يصحّ الاحتجاج به ، فلا فرق . على أنّ اليقين غير شرط ، بل الظن كاف .
هامش
( 1 ) المقطع من قوله : « وهم من بعد . . . وهم من بعدهم كأبي » . ساقط من طبعة هارون .
( 2 ) أراد النوع الثاني من الكلام ، وهو ما كان غير شعر .
( 3 ) قال الميمني في حاشية الطبعة السلفية 1 / 23 : « النقل بالمعنى شيء ليس بمقصور على الأحاديث فحسب ، بل إن تعدد الروايات في بيت واحد من هذا القبيل . والقول بأن منشأه تعدد لغات القبائل ليس مما يتمشى في كل موضع . على أن إثبات ذلك في كل بيت دونه خرط القتاد . زد إلى ذلك ماطرا على الشعر من التصحيف والوضع والاختلاف ، من مثل ابن دأب ، وابن الأحمر ، والكلبي ، وأضرابهم . ورواة الشعر أيضا فيهم من الأعاجم والشعوبية أمم . على أن المسلمين في القرون الأولى كانوا أحرص على إتقان الحديث من حفظ الشعر والتثبت في روايته ، وقد قيض الله لأحاديث رسوله من الجهابذة النقاد من نفى عنه ما كان فيه شبهة الوضع والانتحال . وهذا حرم الشعر مثله » .