وفيهم مقامات حسان وجوهها * وأندية ينتابها القول والفعل « 1 »
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم * مجالس ، قد يشفى بأحلامها الجهل
على مكثريهم رزق من يعتريهم * وعند المقلّين السّماحة ، والبذل « 2 »
سعى بعدهم قوم ، لكي يدركوهم ، * فلم يفعلوا ، ولم يليموا ، ولم يألوا « 3 »
فما كان من خير ، أتوه ، فإنّما * توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطيّ إلّا وشيجه * وتغرس إلّا في منابتها النّخل ؟ « 4 »
[ رد المؤلف على بعض المتأخرين ]
وقد تعقّب البيت الثالث بعض المتأخرين ، وزعم أنّ فيه وجوها من الذّم ، أحدها : أنّه جعل فيهم مقلين ، ولم يقل كما قال الآخر :
الملحقين فقيرهم بغنيّهم * والمشفقين على اليتيم المرمل
والثاني : أنّه وصف المكثرين بأنّهم ضيّعوا القريب ، وراعوا حقّ الغريب ، وصلة الرّحم أولى .
والثالث أنه قال :
على مكثريهم حق من يعتريهم
فلم يصفهم إلّا بدفع الحقوق الواجبة دون التّفضّل بما سواها . والرابع : أنه مدح من لا يرجوه ، يعني المقلّين ، وذمّ من يرجوه ، يعني المكثرين .
هامش
( 1 ) الأبيات في ( ديوان زهير ص 38 ) . مع اختلاف في ترتيبها يمدح بها سنان بن أبي حارثة المرّيّ ، وهي من أناشيد قدامة في ( نقد الشعر ص 77 ) في نعت المدح . والمقامات : المجالس ؛ لأن الرجل كان يقوم في المجلس فيحض على الخير ، ويصلح بين الناس ، وأراد بالمقامات أهلها . ولذلك قال : « حسان وجوههم » . والأندية : ج نديّ ، وهو المجلس والمتحدّث ، وهو مكان تحدّث القوم ومشاروتهم . وينتابها القول والفعل ؛ أي : يثبت فيها الجميل من القول ويعمل به . وينتابها ؛ أي : يقصدها ويحل بها .
( 2 ) يقصد أن أغنياءهم يقومون بمن قصدهم ، وطلب ما عندهم . وفقراءهم يبذلون بمقدار جهدهم وطاقتهم .
( 3 ) لم يليموا : لم يأتوا ما يلامون عليه حين لم يبلغوا منزلة هؤلاء ، وهم - مع ذلك - لم يقصروا السعي بجميل الفعل .
( 4 ) الخطّيّ : الرمح المنسوب إلى الخطّ ، وهي جزيرة بالبحرين ترفأ إليها سفن الرماح . والوشيج القنا الملتف في منبته ، واحدته وشيجة . يعني لا يولد الكرام إلّا في موضع كريم .