تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
قال الشيخ - أدام اللّه سلامته : أمّا اعتراضه الأول ، وتفضيله البيت الآخر عليه ، فالأمر عندي بخلاف ما ذهب إليه من وجوه ، أحدها : أنّ قول زهير أصدق ؛ لأنه ما من قوم إلّا وفيهم فقير وغنّي ، وما ذكره الآخر من مساوىء غير ممكن عادة ، ولا موجود ، فهو كذب محض ، وأيضا ؛ فإنّ الفقر والغنى من الأسماء الإضافية ، فممكن أن يكون مقلّهم غنيّا بالإضافة إلى غيرهم ، ومقلّا بالإضافة إلى غنيّهم ؛ ألا تراه وصفهم بالسّماحة والبذل ، ولا يكون كذلك إلّا غنيّ ؛ وأيضا فقد وصف مكثرهم بالشفقة على مقلّهم ؛ لأنهم [ عندهم ] « 1 » من السمّاحة والبذل ، وهذه نهاية في المنافسة في الجود والفضل . وصاحب البيت الآخر إنّما وصف غنيهم بمواساة فقيرهم دون من سواه ، ولعل غنيهم فقير ، ولذلك لم يتعد جوده إلى غيرهم ، وليس في قوله : « المشفقين على اليتيم » ما يدل على جودهم عليهم ؛ لأنّه قد يشفق عليهم من لا يواسيهم . وأمّا قوله : إنه وصفهم بتضييع القريب ، ورعاية الغريب ، فهذه مكاثرة بيّنة ، وأيّ صلة أو في من التزام الحقوق عنهم ، وتحملها دونهم مع قدرتهم عليها ، وتبرعهم بها . وأمّا قوله : إنّه لم يصفهم إلّا بدفع الحقوق دون التفضل بما سواها ، فهذا تعسف وعناد وتجاهل / بالمقصود والمراد ؛ لأنه لم يرد أنّ عليهم حقوقا واجبة يطالبون بها ، وإنّما ( 94 ) أراد أنّهم أوجبوا على أنفسهم حقّا لمن يعتريهم لا يستجيزون الإخلال به ، ولا يتساهلون في تركه ؛ وإن كان غير مستحق ، ولا واجب ، كما روي أنّ « حقّا على اللّه أن لا يرفع شيئا إلّا وضعه » ؛ أي : أوجب ذلك على نفسه ، لا أن موجبا أوجبه عليه ، تعالى اللّه عن ذلك . وما يدل على ذلك قوله :
وعند المقلّين السّماحة والبذل
وقد علم أن المكثرين أولى بذلك من المقلين ، ولو لم يذكر المكثرين من وصف المقلين بهذه الصفة ، لكان فيه بينه على أن المكثرين أحقّ بذلك وأولى ، لا سيما ، وقد
هامش
( 1 ) إضافة من المحقق .