وصفهم بالتزام ما لا يلزمهم ، واختصاصهم بذلك دون مقليهم .
وأمّا قوله : إنّه مدح لا يرجوه ، وذمّ من يرجو نواله ، فقد ناقض بهذا الاعتراض ؛ لأنهم إن كانوا لا يسمحون إلّا بالحقوق الواجبة كما زعم ، فكيف يرجو نوالهم ؟ وإذا وصف الآخرين بالسّماحة والبذل ، فكيف لا يرجو نوالهم ؟
وقال زهير أيضا :
من يلق يوما - على علّاته - هرما * يلق السّماحة منه والنّدى خلقا « 1 »
ليث بعثّر يصطاد الرّجال إذا * ما كذّب اللّيث عن أقرانه صدقا « 2 »
يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا * ضارب ، حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فضل الجواد على الخيل البطاء ، فلا * يعطي بذلك ممنونا ، ولا نزقا « 3 »
هذا ، وليس كمن يعيا بخطبته * وسط النّديّ ، إذا ما ناطق نطقا « 4 »
لو نال حيّ من الدنيا بمكرمة * أفق السّماء لنالت كفّه الأفقا
[ ما أجمعوا على تفضيله من المديح ]
واجتمعوا على تفضيل قول كعب في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
تحمله النّاقة الأدماء معتجرا * بالبرد كالبدر جلّى ليلة الظّلم « 5 »
هامش
( 1 ) الأبيات في ( ديوان زهير ص 72 ) والأول برواية : « إن تلق يوما . . . تلق السّماحة . . . » والمقصود بهرم : هرم بن سنان المرّيّ ممدوح زهير وأحد من سعوا بالصلح بين عبس وذبيان وتحمل ديات القتلى ، وهو جواد مشهور . ت نحو 15 ق . ه - 608 م ( العقد 3 / 351 ، وجمهرة أنساب العرب 252 ، والشعر والشعراء 1 / 144 ، والأعلام 9 / 77 ) .
( 2 ) يقول : « إذا ارتمى الناس في الحرب بالنّبل دخل هو تحت الرّمي ، فجعل يطاعنهم ، فإذا تطاعنوا ضارب بالسيف ، فإذا تضاربوا بالسيوف اعتنق قرنه والتزمه » . يصف أنه يزيد عليهم في كل حال من أحوال الحرب ( عن الديوان ) .
( 3 ) رواية المخطوط : « ممنوعا ولا نزقا » . والجياد : ج الجواد ، وهو الذي يجود بما عنده من الجري . والبطيء ضد الجواد . والممنون : المقطوع . والنزق الذي يبطئ بعد الجري ، والذي يعطي ما عنده ثم يكفّ . ويكون الممنون أيضا :
من المنّ ، وهو أن يذكر ويعدد ما فعله معه من الخير .
( 4 ) رواية الديوان : « بخطّته » . وقوله : هذا ؛ أي : أمره هذا ، وشأنه هذا .
( 5 ) لم أعثر على البيتينن في ( ديوان كعب بن زهير ) ، ونسب الأول منهما في ( شرح ديوان الحماسة 4 / 1619 ، والشعر والشعراء 2 / 614 ) لأبي دهبل ، وهما في ( حلية المحاضرة 326 ) ، وذكر في هامش ( الشعراء ) أنّهما في ( المرزباني 342 ، والأغاني 6 / 159 ) . والأدماء : البيضاء . ومعتجرا : معتمّا ، وأصل المعجر والعجار : ثوب تلفّه المرأة على استدارة رأسها ، ومنه الاعتجار ، وهو ليّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك ( عن الشعراء ) .