العقل والعفّة والعدل والشجاعة ، كان المادح بهذه الأربعة مصيبا ، وبضدّها مخطئا « 1 » ، قال زهير :
أخي ثقة ، لا تهلك الخمر ماله ، * ولكنّه قد يهلك المال نائله « 2 »
فنزّهه عن الإمعان في اللذّة المشتركة ، وهذه هي العفّة « 3 » ، ووصفه بالسّخاء ، وأتى بما يدلّ على استعماله في موضعه ، وهو قوله : « قد يهلك » ، وذلك هو العدل ، ثم قال :
ومن مثل حصن في الحروب ، ومثله * لإنكار ضيم ، أو لأمر يحاوله « 4 » ؟ ؟
فوصفه بالشجاعة والعقل ؛ لأنّه فضّله في كل أمر يحاوله ، ولا يكون ذلك إلّا لوفور عقله ، وكمال نحيزته ، وقوله : « أخو ثقة » يعمّ هذه الأربعة ؛ أي « 5 » : يوثق به في جميع أموره ؛ فبالبيان والمعرفة ، والحياء والسياسة ، والصّدع بالحجّة ، والعلم والحلم ، ونحو ذلك من أنواع العقل وتوابعه ، والقناعة وقلة الشر ، وطهارة الإزار ، ونحو ذلك من أنواع العفّة وتوابعها ، والحماية والأخذ بالثّأر ، والدّفع عن الجار ، والنّكاية في العدو ، وقتل الأقران ، والمهابة ، وسير المهامه « 6 » والقفار الوحشيّة من أنواع الشجاعة وتوابعها . والسّماحة والتغابن والانظلام ، والتبرع بالنائل ، والإجابة للسائل ، وقرى الأضياف من أنواع العدل وتوابعه ، فإذا تركبت هذه الأمور الأربعة ، حدث عن العقل والشجاعة ، الصّبر
هامش
( 1 ) في ( نقد الشعر ) : « كان القاصد لمدح الرجال بهذه الأربع الخصال مصيبا ، والمادح بغيرها مخطئا » .
( 2 ) قبل هذا البيت في ( ديوان زهير ص 53 ) : « فأقصرن منه عن كريم . . . » . والمقصود بالمدح هو حصن ابن حذيفة بن بدر الفزاريّ . والنائل : العطاء . يقول : إنه يوثق بما عنده من الخير لما علم من جوده وكرمه ، ولا يتلف ماله في شرب الخمر ، ولكنّه يتلفه بالعطاء ( عن الديوان ) . والبيت من شواهد قدامة .
( 3 ) بالمخطوط : « وهذا هو العفة » .
( 4 ) البيت في ( ديوان زهير ص 56 ) والممدوح هو حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ ردّ على تحدّي عمرو ابن هند بجيش من أسد وغطفان حين طمع به ، ولكن عمرو بن هند صدّ عنه ، وكره قتاله ، فقال زهير هذه القصيدة في ذلك ( عن الديوان ) .
( 5 ) بالمخطوط : « أن » .
( 6 ) بالمخطوط : « والمهابة » تحريف .